بيان مؤسسة مصر للصحة بشأن أخلاقيات التوعية الصحية

تتابع مؤسسة مصر للصحة والتنمية المستدامة ببالغ القلق ما تشهده الساحة الإعلامية ومنصات التواصل الاجتماعي من تصاعد لحالة من الفوضى المهنية والمعرفية في المجال الصحي، بما يؤثر بصورة مباشرة على وعي المواطنين، ويهدد ثقتهم في المؤسسات الطبية، ويضعف قدرتهم على الوصول إلى معلومات صحية دقيقة وآمنة ومتوازنة.

لقد أصبح المجال الصحي، في كثير من الأحيان، مساحة مفتوحة لمن يتحدثون أكثر، لا لمن يمتلكون المعرفة العلمية الراسخة. وأصبح المواطن يوميًا عرضة لسيل من الرسائل المتضاربة، والعناوين المثيرة، والوعود المطلقة، والمعلومات غير الدقيقة، بما يجعل التمييز بين الحقيقة العلمية والادعاء، وبين التوعية والإعلان، وبين الخبرة الحقيقية والاستعراض الإعلامي، أمرًا بالغ الصعوبة.

إن أخطر ما يواجه المجتمع اليوم لا يتمثل فقط في الخطأ الطبي، بل في فوضى المعرفة الطبية، حيث قد تتسبب معلومة غير دقيقة في بث الخوف لدى المرضى، أو دفعهم لاتخاذ قرارات علاجية خاطئة، أو زعزعة ثقتهم في المؤسسات الطبية والعلمية.

وتؤكد المؤسسة أن قيمة الطبيب لا تُقاس بحجم الظهور الإعلامي أو عدد المشاهدات أو اتساع الانتشار، وإنما بما يمتلكه من علم موثوق، وخبرة حقيقية، وأمانة مهنية تجاه مرضاه. فالطب رسالة إنسانية سامية، وليس ساحة للمنافسة الاستعراضية أو تبادل الاتهامات أو تصفية الخلافات المهنية أمام الرأي العام.

كما تعرب المؤسسة عن قلقها إزاء تنامي ظاهرة تحوّل بعض البرامج الطبية والمنصات الإعلامية إلى مساحات مدفوعة الأجر، تُمنح فيها الأولوية أحيانًا لمن يمتلك القدرة على التسويق والدفع، لا لمن يمتلك الكفاءة العلمية والخبرة الأكاديمية الحقيقية، بما يهدد بتحويل الإعلام الصحي من منصة للتثقيف إلى ساحة للإعلان المقنّع.

وتشدد المؤسسة على أن الإعلام الصحي ليس مجالًا للترفيه أو الإثارة، بل مسؤولية مجتمعية بالغة الحساسية، إذ إن الكلمة الطبية قد تؤثر في قرار علاجي، أو تغيّر سلوكًا صحيًا، أو تصنع خوفًا أو أملًا زائفًا لدى المرضى وأسرهم.

وفي السياق ذاته، تحذر المؤسسة من خطورة تناول التخصصات الطبية الدقيقة من قبل غير المؤهلين علميًا، أو استخدام المنصات الإعلامية لنشر معلومات خارج نطاق التخصص والخبرة الحقيقية، لما يمثله ذلك من تهديد مباشر لسلامة المرضى، وإضرار بثقة المجتمع في المنظومة الصحية.

إن احترام التخصص ليس رفاهية أكاديمية، بل هو أحد أهم الضمانات الأساسية لحماية المرضى وصون الممارسة الطبية الرشيدة.

وتؤمن المؤسسة بأن استعادة هيبة الطب ومكانته لا تتحقق بالصمت على الأخطاء، ولا بالصدام أو التشهير، وإنما بإعلاء قيمة العلم الرصين، وترسيخ الأخلاق المهنية، واحترام التخصص، والتواضع أمام الحقيقة العلمية، وصون حق المواطن في الحصول على معلومة صحية دقيقة وآمنة ومتوازنة.

اقرا ايضًا: بالتعاون مع مؤسسة مصر للصحة والتنمية المستدامة وUNFPA نقابة أطباء مصر تُضيء مبناها رفضًا لختان الإناث

وانطلاقًا من مسؤوليتها المجتمعية، تدعو مؤسسة مصر للصحة والتنمية المستدامة إلى:

  • وضع ضوابط مهنية واضحة للمحتوى الطبي والإعلانات الصحية عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.
  • تعزيز دور المؤسسات العلمية والنقابات والجمعيات المهنية في مراجعة وتوجيه الخطاب الصحي العام.
  • دعم إعلام صحي وطني مهني مستقل قائم على المعرفة العلمية والمسؤولية المجتمعية.
  • قصر الحديث في القضايا الطبية التخصصية على أصحاب الخبرة والتأهيل العلمي المعتمد.
  • ترسيخ ثقافة الاحترام المهني بين الأطباء، ورفض تحويل الخلافات العلمية إلى سجالات علنية تسيء لصورة المهنة.
  • حماية المواطنين من المعلومات الطبية المضللة، باعتبار أن الحق في المعرفة الصحية الدقيقة جزء أصيل من الحق في الحياة والكرامة الإنسانية.

وتؤكد المؤسسة في ختام بيانها أن الطب سيظل، في جوهره، رسالة رحمة قبل أن يكون مهنة، وأن الطبيب الحقيقي هو من يمنح الناس علمًا يطمئنهم، لا خوفًا يربكهم، ومن يقترب من المريض بضمير إنساني، لا بروح الدعاية والاستعراض.

حفظ الله مصر، وحفظ أطبائها الشرفاء، وصان حق كل مريض في علم صادق، وعلاج أمين، وكلمة مسؤولة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top