قوائم الانتظار تهدد الرعاية الصحية في أوروبا.. عام كامل لمقابلة طبيب وعامين لبعض الجراحات

رغم امتلاك العديد من الدول الأوروبية أنظمة صحية تُصنف بين الأفضل عالميًا، فإن أزمة متصاعدة تهدد كفاءة هذه الأنظمة وتتمثل في فترات الانتظار الطويلة للحصول على الرعاية الطبية. وبينما يزداد الطلب على الخدمات الصحية مع شيخوخة السكان وارتفاع معدلات الأمراض المزمنة، يجد ملايين المرضى أنفسهم عالقين في قوائم انتظار تمتد من أسابيع إلى أشهر، وفي بعض الحالات إلى سنوات كاملة قبل الحصول على العلاج. 

وتكشف أحدث بيانات تقرير Health at a Glance 2025 الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) أن مشكلة الانتظار لم تعد مقتصرة على بعض الخدمات التخصصية، بل امتدت إلى الرعاية الأولية والعيادات المتخصصة والجراحات الاختيارية، ما يثير مخاوف متزايدة بشأن تأثير هذه التأخيرات على صحة المرضى وجودة حياتهم. 

من أسبوع إلى عام.. رحلة البحث عن موعد طبي

في عدد من الدول الأوروبية، لم يعد الحصول على موعد لدى طبيب عام أو ممرض أمرًا سريعًا كما كان في السابق. وتشير البيانات إلى أن نحو 18% من المرضى في المتوسط داخل الدول التي شملها المسح ينتظرون أكثر من أسبوع لمقابلة طبيب أو ممرض، بينما ترتفع النسبة إلى 23% في السويد، وتبلغ 20% في كل من فرنسا وألمانيا. 

لكن الأزمة تصبح أكثر حدة عند الانتقال إلى الأطباء المتخصصين. فمتوسط الانتظار للحصول على موعد لدى طبيب متخصص يتجاوز شهرًا لدى أكثر من نصف المرضى، فيما أفاد أكثر من 10% من المرضى في المملكة المتحدة وكندا بأنهم انتظروا أكثر من عام كامل للحصول على استشارة تخصصية.  وفي بريطانيا تحديدًا، أظهرت تقارير حديثة استمرار الضغوط على هيئة الخدمات الصحية الوطنية (NHS)، حيث لا تزال ملايين الحالات على قوائم الانتظار رغم الجهود الحكومية لتقليص التراكم الناتج عن الجائحة. 

أشهر من الانتظار لاستعادة البصر

تعكس جراحات المياه البيضاء حجم الأزمة التي تواجهها الأنظمة الصحية الأوروبية. ففي النرويج، انتظر 81% من المرضى أكثر من ثلاثة أشهر بعد تقييم الطبيب المختص لإجراء الجراحة، بينما بلغت النسبة 71% في فنلندا. كما تجاوزت نسبة المنتظرين أكثر من ثلاثة أشهر نصف المرضى في المملكة المتحدة والبرتغال وإسبانيا. 

وتشير بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن فترات الانتظار لجراحات الساد ما تزال أعلى من مستويات ما قبل جائحة كوفيد-19 في معظم الدول الأوروبية، ما يؤكد أن الأنظمة الصحية لم تتعافَ بالكامل من التداعيات التي خلفتها الجائحة على الخدمات غير الطارئة. 

عامان من الانتظار لتغيير مفصل الورك

أكثر الأرقام صدمة ظهرت في جراحات استبدال مفصل الورك، حيث سجلت سلوفينيا أطول فترة انتظار في أوروبا بمتوسط 667 يومًا، أي ما يقرب من عامين كاملين. وجاءت بولندا في المرتبة الثانية بمتوسط 343 يومًا، تلتها المجر بـ209 أيام، ثم المملكة المتحدة بـ174 يومًا. 

ويشير الخبراء إلى أن هذه الأرقام تمثل “المدة الوسيطة”، ما يعني أن نصف المرضى تقريبًا ينتظرون فترات أطول من ذلك، وهو ما ينعكس مباشرة على جودة الحياة، خصوصًا لدى كبار السن الذين يعانون آلامًا مزمنة وصعوبات في الحركة. 

لماذا تتفاقم الأزمة؟

يرى خبراء السياسات الصحية أن قوائم الانتظار الطويلة ليست نتيجة سبب واحد، بل تعكس مزيجًا من التحديات المتراكمة. فمن جهة، أدى التقدم في العمر وزيادة متوسط العمر المتوقع إلى ارتفاع الطلب على الخدمات الصحية بشكل غير مسبوق، ومن جهة أخرى تعاني العديد من الدول الأوروبية نقصًا في الأطباء والممرضين والكوادر المتخصصة. 

كما لعبت جائحة كورونا دورًا محوريًا في تأجيل ملايين العمليات والفحوصات غير العاجلة، ما تسبب في تراكم قوائم الانتظار لسنوات لاحقة. ورغم عودة معظم الأنظمة الصحية إلى العمل بكامل طاقتها، فإن الطلب المتزايد لا يزال يفوق القدرة الاستيعابية في العديد من الدول. 

تكلفة صحية واقتصادية باهظة

لا تقتصر تداعيات الانتظار الطويل على الألم والمعاناة النفسية للمرضى، بل تمتد إلى نتائج صحية أكثر خطورة. فالتأخر في الحصول على العلاج قد يؤدي إلى تدهور الحالة المرضية، وانخفاض فرص التعافي، وزيادة الحاجة إلى تدخلات أكثر تعقيدًا وتكلفة لاحقًا. 

وفي بعض الحالات الحرجة، قد تكون التأخيرات قاتلة. فقد أظهرت دراسات بريطانية حديثة أن مئات المرضى المصابين بأمراض قلبية خطيرة يفقدون حياتهم سنويًا أثناء انتظار الإجراءات العلاجية اللازمة. 

اقرأ ايضًا: وزير الصحة: تسريع توريد مفاصل الركبة والحوض لإنهاء قوائم الانتظار

هل تستطيع أوروبا تقليص قوائم الانتظار؟

تتجه العديد من الحكومات الأوروبية حاليًا إلى زيادة الإنفاق الصحي، وتوسيع الطاقة الاستيعابية للمستشفيات، وتسريع إجراءات الإحالة والتشخيص، إلى جانب توظيف أدوات الصحة الرقمية والذكاء الاصطناعي لتحسين إدارة المواعيد وقوائم الانتظار. كما بدأت بعض الدول في تطبيق أهداف زمنية ملزمة للحصول على الخدمات الطبية الأساسية. 

ومع ذلك، يحذر خبراء الصحة من أن معالجة الأزمة لن تكون سريعة، خاصة مع استمرار نقص الكوادر الطبية وتزايد أعداد كبار السن في القارة الأوروبية. ويبدو أن التحدي الأكبر أمام أنظمة الرعاية الصحية خلال السنوات المقبلة لن يكون فقط توفير العلاج، بل ضمان حصول المرضى عليه في الوقت المناسب قبل أن تتحول فترات الانتظار إلى أزمة صحية بحد ذاتها. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top