الدواء المصري يقترب من الاكتفاء الذاتي..وخطة لتوطين المواد الخام

خطة لتوطين الصناعة ومضاعفة الصادرات إلى 3 مليارات دولار

الإنتاج المحلي يغطي 94% من الاحتياجات الأساسية.. والتتبع الرقمي يواجه الدواء المغشوش

لم يعد ملف الدواء في مصر مجرد قضية تتعلق بتوفير العلاج، بل تحول إلى أحد أهم ملفات الأمن القومي، في ظل استراتيجية حكومية تستهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي، وتوطين الصناعات الدوائية، وتعزيز الرقابة، وزيادة الصادرات، وتحويل مصر إلى مركز إقليمي لصناعة الدواء والتدريب الدوائي.

وكشف الدكتور علي الغمراوي، رئيس هيئة الدواء المصرية، خلال تصريحات صحفيه ، عن ملامح هذه الاستراتيجية، مؤكدًا أن الدولة تنظر إلى الدواء باعتباره ركيزة للأمن الصحي والاقتصادي، ويحظى بدعم مباشر من القيادة السياسية.

إنتاج محلي يغطي معظم الاحتياجات

أكد رئيس هيئة الدواء أن الصناعة الوطنية أصبحت قادرة على توفير نحو 94% من الاحتياجات الأساسية للمواطنين، بينما يصل الاكتفاء الذاتي داخل السوق إلى نحو 91% من إجمالي العبوات الدوائية المتداولة، وهي من أعلى النسب على مستوى المنطقة.

وأوضح أن مصر تمتلك حاليًا ما بين 180 و183 مصنعًا لإنتاج الدواء البشري، إلى جانب 138 مصنعًا لمستحضرات التجميل والمطهرات و214 مصنعًا للمستلزمات الطبية، بإجمالي 2368 خط إنتاج مرخص يمثل نحو 30% من خطوط إنتاج الأدوية في أفريقيا.

وأشار إلى أن الدولة نجحت كذلك في تأمين مخزون استراتيجي من المواد الخام يكفي لمدة ستة أشهر، بالإضافة إلى مخزون من الأدوية تامة الصنع يغطي احتياجات السوق لمدة تتراوح بين 3 و6 أشهر.

رقابة غير مسبوقة على سوق الدواء

وشدد الغمراوي على أن هيئة الدواء تطبق منظومة رقابية صارمة تبدأ من المصنع وحتى وصول الدواء إلى المريض، مع استخدام أدوات رقابية حديثة مثل “المتسوق الخفي” لرصد المخالفات داخل المنشآت الدوائية.

وخلال عام 2025 فقط، نفذت الهيئة 249 ألف حملة تفتيشية أسفرت عن ضبط 17 ألفًا و818 منشأة مخالفة، وإغلاق 456 منشأة دوائية غير مرخصة.

كما كثفت الهيئة جهودها لمواجهة بيع الأدوية عبر الإنترنت بصورة غير قانونية، حيث رصدت 504 صفحات وتطبيقات مخالفة، ونفذت 193 ضبطية إلكترونية بالتعاون مع الجهات الأمنية.

وأكد أن أي تلاعب في الأسعار أو تغيير السعر الجبري المطبوع على العبوة يواجه بإغلاق المنشأة وإحالتها إلى النيابة العامة.

التتبع الرقمي.. نهاية الدواء المغشوش؟

واعتبر رئيس هيئة الدواء مشروع التتبع الدوائي الرقمي (Track & Trace) أحد أكبر مشروعات حماية الدواء في مصر.

ويقوم النظام على منح كل عبوة دواء كودًا رقميًا فريدًا غير قابل للتكرار أو التزوير، يتم إلغاؤه إلكترونيًا بمجرد بيع العبوة للمريض، ما يمنع إعادة استخدام العبوات الأصلية في عمليات الغش أو إعادة التدوير.

ويسمح النظام أيضًا بتتبع رحلة الدواء بالكامل، والكشف السريع عن المستحضرات المغشوشة، وسحب أي تشغيلة من الأسواق فور اكتشاف أي مشكلة.

وأوضح أن المشروع دخل حيز التنفيذ على مراحل منذ أبريل 2025، وتم حتى مايو 2026 إدراج 155 مستحضرًا مستوردًا داخل المنظومة، مع تزويد 4500 صيدلية بأجهزة التتبع مجانًا.

د.علي الغمراوي-رئيس هيئة الدواء

توطين الصناعة لتقليل فاتورة الاستيراد

وفي إطار تعميق التصنيع المحلي، تعمل الهيئة على توطين إنتاج المواد الخام والمكونات الدوائية داخل مصر بدلًا من استيرادها.

وأشار الغمراوي إلى أن الهيئة تستهدف حاليًا توطين 155 مادة فعالة تدخل في تصنيع 234 مستحضرًا دوائيًا، إلى جانب مشروع آخر لتصنيع 280 مادة خام غير فعالة محليًا.

وتركز المرحلة الأولى على 30 مادة خام تمثل وحدها نحو 60% من فاتورة الاستيراد، وهو ما يوفر للدولة قرابة 100 مليون دولار.

كما تشمل خطة التوطين تصنيع أدوية الأورام، والأدوية البيولوجية، والأنسولين، واللقاحات، وهو ما ساهم بالفعل في زيادة عدد المستحضرات المتداولة في السوق المصري من 8500 مستحضر إلى أكثر من 10 آلاف مستحضر.

صادرات تتجه إلى 3 مليارات دولار

وكشف رئيس هيئة الدواء أن سوق الدواء المصري سجل خلال عام 2025 تداول نحو 4 مليارات عبوة دوائية بقيمة تجاوزت 422 مليار جنيه.

كما بلغت قيمة الصادرات الدوائية 1.3 مليار دولار بنهاية العام، بينما سجل الربع الأول من عام 2026 صادرات بقيمة 280 مليون دولار بنسبة نمو بلغت 7% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.

وتستهدف الدولة رفع صادرات القطاع إلى 3 مليارات دولار بحلول عام 2030، مع توجيه أكثر من 1.3 مليار دولار من هذه الصادرات إلى الأسواق الأفريقية.

دعم الأدوية النادرة

وتناول الغمراوي ملف الأدوية مرتفعة التكلفة، مؤكدًا أن علاج الأمراض النادرة يمثل تحديًا عالميًا بسبب ارتفاع تكلفة تطوير هذه المستحضرات، وهو ما يتطلب شراكة بين الدولة والقطاع الأهلي.

كما دعا إلى تعزيز ثقافة استخدام البدائل والمثائل الدوائية، موضحًا أن الهيئة تسجل ما يصل إلى 12 مثيلًا للدواء الواحد بنفس المادة الفعالة والجودة، مع اختلاف الأسعار لتوفير خيارات مناسبة لجميع المرضى.

الجامعات ليست مصانع أدوية

وحسم رئيس الهيئة الجدل بشأن تصنيع الأدوية داخل الجامعات، مؤكدًا أن دور المؤسسات الأكاديمية يقتصر على البحث العلمي والتجارب، بينما يبقى التصنيع التجاري حكرًا على المصانع المعتمدة التي تطبق قواعد التصنيع الدوائي الجيد (GMP)، حفاظًا على جودة وسلامة الدواء.

التحول الرقمي والتدريب

وأشار إلى أن هيئة الدواء تواصل تنفيذ خطة للتحول الرقمي تشمل ميكنة إجراءات تسجيل الدواء، وتراخيص الصيدليات، وإطلاق أدوات إلكترونية لفحص الأسماء التجارية، ما ساهم في تقليل زمن الإجراءات بنسبة تتراوح بين 30 و40%.

كما أعلن أن مركز التطوير المهني المستمر التابع للهيئة أصبح مركزًا إقليميًا معتمدًا من منظمة الصحة العالمية، وقدم حتى الآن 630 برنامجًا تدريبيًا استفاد منها أكثر من 24 ألف متدرب، بالإضافة إلى برامج تدريبية للهيئات الرقابية في الدول العربية والأفريقية.

رسالة واضحة

تعكس المؤشرات التي أعلنتها هيئة الدواء المصرية تحولًا نوعيًا في إدارة القطاع، يقوم على ثلاثة محاور رئيسية: تأمين احتياجات السوق المحلية، وتوطين الصناعة، والتحول إلى مركز إقليمي للتصنيع والتصدير. ومع استمرار الرقابة الرقمية والتوسع في التصنيع المحلي، يبدو أن قطاع الدواء المصري يدخل مرحلة جديدة تستهدف تعزيز الأمن الدوائي، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، وزيادة تنافسية الصناعة المصرية في الأسواق العالمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top