باحثون من جامعتي شيفيلد ونوتنغهام يرصدون تغيرات جينية مرتبطة بشيخوخة المبيض واضطراب وظائف الخصية.. والنتائج مستخلصة من تجارب على الفئران
كشفت دراسة علمية حديثة أجراها باحثون من جامعتي شيفيلد ونوتنغهام البريطانيتين، عن آليات بيولوجية محتملة قد تفسر تأثيرالتدخين على الصحة الإنجابية لدى الذكور والإناث، بعدما رصد الباحثون تغيرات في نشاط الجينات داخل المبيضين والخصيتين، اختلفت طبيعتها بين الجنسين.
وأظهرت الدراسة، المنشورة في إحدى دوريات مجموعة Frontiers العلمية، أن التعرض لدخان السجائر قد يؤدي إلى اضطرابات جزيئية داخل الأعضاء التناسلية، حتى في غياب تغيرات واضحة في شكل بعض الأنسجة، ما يشير إلى أن التأثيرات المحتملة للتدخين قد تبدأ على المستوى الخلوي قبل ظهور علامات يمكن رصدها بالفحوص التقليدية.
واعتمد الباحثون على تجارب أُجريت على الفئران، بهدف فهم كيفية استجابة الأنسجة التناسلية لدخان السجائر، وتحديد المسارات الجينية والبيولوجية التي قد تتأثر بالتعرض له.
وأكد الفريق البحثي أن النتائج لا تعني إثبات حدوث التغيرات نفسها لدى البشر، كما أنها لا تحدد بصورة مباشرة حجم تأثير التدخين على فرص الحمل أو القدرة الفعلية على الإنجاب.
اقرأ ايضًا: دراسة عالمية: 38% من حالات السرطان يمكن الوقاية منها.. والتدخين في الصدارة
تأثيرات خفية داخل المبيض
أظهرت نتائج الدراسة أن تعرض إناث الفئران لدخان السجائر لم يؤدِ إلى تغيرات بنيوية واضحة في المبيضين، كما لم يرصد الباحثون اختلافات ملحوظة في أعداد الحويصلات المبيضية التي تحتوي على البويضات النامية، رغم التعرض المكثف للدخان.
لكن التحليل الجزيئي كشف عن تغيرات في نشاط مجموعة من الجينات المرتبطة بوظائف الخلايا، من بينها الجينات المشاركة في تكاثر الخلايا وتصنيع البروتينات وإنتاج الطاقة.
ولاحظ الباحثون أن بعض هذه التغيرات تتشابه مع المسارات البيولوجية المرتبطة بالتقدم الطبيعي في عمر المبيض وتراجع كفاءته الوظيفية.
وتشير هذه النتائج إلى احتمال أن يؤثر دخان السجائر في العمليات الداخلية المنظمة لوظائف المبيض، دون أن يصاحب ذلك بالضرورة تغير واضح في شكله أو تركيبه النسيجي.
ومع ذلك، شدد الباحثون على أن التشابه بين التغيرات الجينية المرصودة والمسارات المرتبطة بشيخوخة المبيض لا يكفي لإثبات أن التدخين تسبب في شيخوخة مبكرة للمبيض، أو أن التأثير نفسه يحدث لدى النساء.

تغيرات في بنية الخصية وإنتاج الحيوانات المنوية
في المقابل، كشفت التجارب على ذكور الفئران عن استجابة مختلفة لدخان السجائر، حيث رصد الباحثون تغيرات بنيوية في الخصيتين، شملت زيادة في حجم الأنابيب المنوية، وهي التراكيب المسؤولة عن إنتاج الحيوانات المنوية.
كما أظهرت التحليلات تغيرات في نشاط الجينات المرتبطة بتنظيم عملية تكوين الحيوانات المنوية، إلى جانب انخفاض نشاط بعض الجينات المشاركة في الاستجابة المناعية داخل الأنسجة التناسلية.
وتشير هذه النتائج إلى أن التعرض لدخان السجائر قد يؤثر في أكثر من مسار بيولوجي داخل الخصية، بما يشمل العمليات المرتبطة بإنتاج الحيوانات المنوية وتنظيم البيئة الخلوية المحيطة بها.
غير أن الدراسة لم تقدم دليلًا مباشرًا على أن هذه التغيرات أدت إلى انخفاض القدرة الإنجابية، كما لا يمكن استخدامها وحدها لتحديد مدى تأثر جودة الحيوانات المنوية أو معدلات الخصوبة لدى الرجال.
لماذا تختلف استجابة المبيض عن الخصية؟
وقالت البروفيسورة لوسي فيركلو، من كلية علوم الحياة بجامعة نوتنغهام والمشاركة في إعداد الدراسة، إن النتائج ساعدت في تحديد مسارات بيولوجية محتملة قد تسهم في تفسير العلاقة بين التدخين والصحة الإنجابية لدى الجنسين.
وأوضحت أن التغيرات المرصودة لدى الإناث ارتبطت بصورة أكبر بالعمليات الخلوية التي سبق ربطها بتقدم عمر المبيض وتراجع وظائفه، بينما تركزت التغيرات لدى الذكور في المسارات الجينية المرتبطة بتكوين الحيوانات المنوية ووظائف الخصية.
وأكدت أن هذه النتائج توسع فهم الباحثين للتأثيرات المحتملة لدخان السجائر، لكنها تستلزم دراسات إضافية لتحديد مدى انطباقها على الإنسان.
من جانبه، أوضح الدكتور آدم واتكينز، من جامعة شيفيلد، أن العلاقة بين التدخين وتدهور الصحة الإنجابية معروفة من خلال الأبحاث السابقة، إلا أن الآليات البيولوجية الدقيقة المسؤولة عنها لا تزال بحاجة إلى مزيد من التفسير.
وأشار إلى أن التجارب أظهرت اختلافًا في استجابة الأنسجة التناسلية، إذ لم تُسجل تغيرات بنيوية واضحة في المبيضين، بينما ظهرت تغيرات قابلة للقياس في بنية الخصيتين، بالتزامن مع اضطرابات في نشاط الجينات داخل العضوين.
العقم مشكلة صحية عالمية
وتكتسب الدراسة أهمية خاصة في ظل اتساع نطاق مشكلات الخصوبة عالميًا، إذ تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو شخص واحد من كل ستة أشخاص يواجه العقم خلال مرحلة ما من حياته الإنجابية.
ويُعد التدخين من عوامل الخطر القابلة للتعديل التي ترتبط بتدهور الصحة الإنجابية، إلى جانب تأثيراته المعروفة على القلب والأوعية الدموية والجهاز التنفسي وزيادة مخاطر الإصابة بأنواع متعددة من السرطان.
وتشير الأدلة الطبية المتاحة إلى ارتباط التدخين بمشكلات في الخصوبة لدى الرجال والنساء، لكن الدراسة الجديدة تركز بصورة خاصة على محاولة فهم التغيرات الجزيئية التي قد تقف وراء هذه العلاقة.

هل تعني النتائج أن التدخين يسبب العقم؟
رغم أهمية النتائج، فإن الباحثين حذروا من التوسع في تفسيرها، نظرًا إلى اعتماد الدراسة على نموذج حيواني، وعدم قياس القدرة الفعلية على الإنجاب لدى البشر.
فالتغيرات في نشاط الجينات أو البنية النسيجية لا تعني بالضرورة حدوث عقم، كما أن تحديد تأثير التعرض لدخان السجائر على الخصوبة يتطلب الربط بين هذه التغيرات والمؤشرات الوظيفية، مثل جودة الحيوانات المنوية، ووظائف المبيض، وفرص حدوث الحمل.
ويؤكد ذلك أهمية إجراء أبحاث إضافية تشمل نماذج وتجارب مختلفة، إلى جانب الدراسات البشرية، للتحقق من مدى ارتباط التغيرات المكتشفة بالمشكلات الإنجابية.
وفي الوقت نفسه، فإن عدم قدرة هذه الدراسة على إثبات تأثير مباشر في الخصوبة البشرية لا ينفي الأدلة الطبية السابقة التي تربط التدخين بأضرار متعددة على الصحة الإنجابية.
وتدعم النتائج أهمية الحد من التعرض لدخان السجائر، بما في ذلك التدخين السلبي، خاصة لدى الأشخاص الذين يخططون للإنجاب، مع التأكيد أن الإقلاع عن التدخين يمثل خطوة مهمة لحماية الصحة العامة والإنجابية.
وتخلص الدراسة إلى أن الأضرار المحتملة للتدخين قد لا تكون متشابهة لدى الرجال والنساء، وأن فهم الاختلافات الجزيئية بين المبيض والخصية يمكن أن يفتح المجال أمام أبحاث أكثر دقة لتفسير تأثير التبغ على وظائف الجهاز التناسلي.
وتبقى الرسالة الصحية الأهم أن غياب التغيرات الظاهرة في الأعضاء التناسلية لا يعني بالضرورة غياب التأثيرات البيولوجية، وأن حماية الخصوبة تبدأ أيضًا بتجنب عوامل الخطر القابلة للوقاية، وفي مقدمتها التدخين.



