“بهدوء”… بقلم: رجاء ناجي

مش كل باب يتقفل… الصحة النفسية مش في العزلة

أيام قليلة تفصلنا عن نهاية عام وبداية عام جديد، ومع هذا التوقيت تحديدًا، تمتلئ مواقع التواصل الاجتماعي بسيل من العبارات والشعارات التي تُقدَّم على أنها «حِكم للحياة» أو «قواعد للراحة النفسية»، لكنها في حقيقتها لا تمت لا لعاداتنا ولا لتقاليدنا ولا لقيمنا الإنسانية أو الدينية بأي صلة.

اقرأ ايضاً: المعرفة.. حين تصبح مسؤولية

نقرأ ونسمع كثيرًا: «اقفل الباب على أي حد ضايقك»، «اللي يتعبك شيله من حياتك»، «راحتك النفسية أهم من أي حد»، وكأن الطريق إلى السلام الداخلي يمر حتمًا عبر خسارة الناس، وقطع العلاقات، وإغلاق الأبواب دون سؤال أو محاولة فهم.

هذه الدعوات، التي تُروَّج اليوم بكثافة عبر بعض صُنّاع المحتوى والـ«بلوجرز» سعيًا خلف المشاهدات والانتشار، لا تصنع إنسانًا أكثر صحة، بل تُكرّس – دون وعي – ثقافة الانعزال، وتغذّي القلق والاكتئاب، وتحوّل الخلافات الطبيعية إلى قطيعة دائمة.

الحقيقة البسيطة التي يتجاهلها هذا الخطاب أن الدنيا من غير ناس ما تنداس، وأن الإنسان لا يعيش وحده، ولا يشفى وحده، ولا يكتمل دون روابط إنسانية حقيقية. فكيف نُقنع أنفسنا أن فقد الأحبة هو طريق الراحة، وأن تجاهل من نحبهم هو علاج نفسي؟

في الثقافة المصرية، وفي وجدان هذا المجتمع، لم نُربَّ يومًا على أن نغلق الأبواب في وجه من نحب عند أول خلاف، بل على السؤال، والاحتواء، ومحاولة الفهم، ومعرفة العذر قبل الحكم. كنا نقول دائمًا: اسأل عن جارك، واطمئن على صاحبك، ولو حد غاب تسأل عليه، لكن يبدو أن هذه القيم أصبحت «قديمة» في زمن المنشورات السريعة والشعارات الجاهزة.

الأخطر أن هذا الخطاب يؤثر بشكل مباشر على الأجيال الأصغر سنًا، التي تتلقّى هذه الرسائل باعتبارها «الصح المطلق»، فتعتقد أن الصحة النفسية تعني التخلص من كل علاقة مُرهِقة، حتى لو كانت علاقة إنسانية عميقة، أو صداقة قديمة، أو شخصًا يمر بظرف صعب ولم يُحسن التعبير عن ألمه.

والحقيقة أن الصحة النفسية لا تُبنى على العزلة، ولا على القطيعة، ولا على تجاهل مشاعر الآخرين. الصحة النفسية الحقيقية تُبنى على التوازن، والقدرة على الحوار، وفهم الذات والآخر، والتمييز بين العلاقة المؤذية فعلًا، والعلاقة التي تحتاج فقط إلى وقت، أو كلمة، أو سؤال صادق.

العالم كله اليوم يتحدث عن الصحة النفسية كجزء لا يتجزأ من الصحة العامة، لكن المفارقة أننا نُفرغ المفهوم من مضمونه، ونحوّله إلى دعوة للانسحاب بدل الدعم، وللهروب بدل المواجهة الهادئة. والنتيجة نراها واضحة في سلوكياتنا اليومية: توتر، عصبية، عنف، قسوة في التعامل، وبرود في العلاقات.

نحن لا نسأل عن بعضنا إلا برسائل سريعة على «واتساب»، ولا نلاحظ الغياب إلا بعد فوات الأوان، ثم نتساءل: لماذا أصبح الناس أكثر وحدة؟ لماذا زادت معدلات الاكتئاب؟ لماذا تآكلت العلاقات؟

مع بداية عام جديد، ربما يكون القرار الأكثر صحة ليس أن نُغلق الأبواب، بل أن نفتح نوافذ الحوار. أن نُعيد التفكير في هذه «البوستات الجاهزة»، وألا نسمح لها بأن تُعيد تشكيل وعينا الجمعي. أن نُبادر بالسؤال: إنت زعلان ليه؟، مالك؟، مكنتش أقصد أوجعك.

الصحة النفسية لا تعني أن نعيش بلا ألم، بل أن نتعامل معه بإنسانية. لا تعني أن نخسر كل من حولنا، بل أن نتعلم كيف نختلف دون أن نكسر، وكيف نُصلح دون أن نهرب.

فمش كل باب يتقفل…

وبداية السنة الجديدة يمكن تكون في مكالمة، أو زيارة، أو كلمة طيبة، مش في منشور قاسي نشاركه ونمشي.

بقلم: رجاء ناجي

رئيس تحرير: بوابة مصر الصحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top