” نقطة نور “في حضرة “الترند”..العقل خارج الخدمة!

بقلم – أحمد إمام

رئيس التحرير

لم يعد “الترند” مجرد موضوع شائع، ولا حتى “موجة” نركبها وننزل عند أول محطة، بل تحوّل إلى كائن حي، له أنياب ومخالب، يطاردك في الشارع، ويجلس معك على القهوة، ويدخل بيتك من شاشة الموبايل دون استئذان..الترند اليوم لا يُتابَع… الترند يُطاع.

اقرا ايضاً: “نقطة نور “عبء الوعي في زمن “التبسيط”

في الزمن الجميل، كنا ننتظر الخبر المهم، الحدث الكبير، القضية التي تستحق المتابعة ، أما الآن، فالمعادلة انقلبت ..نبحث عن الترند أولا ، ثم نحاول جاهدين معرفة ، هو ده موضوع إيه أصلا ؟

تستيقظ صباحا ، تفتح هاتفك، فتجد الجميع يتحدث عن شخص لم تسمع عنه من قبل، أو جملة مبتورة خرجت من سياقها، أو فيديو لا يتجاوز 12 ثانية، لكنه – لسبب غامض – هزّ أركان السوشيال ميديا.

تسأل نفسك: “إيه اللي حصل؟” فيأتيك الرد سريعا : “مش عارف..بس ده “ترند”.

الترند بقى زي الميكروباص:
واقف، زحمة، محدش فاهم هو رايح فين، بس كله طالع… ليه؟
“عشان مايفوتناش”.

أجمل ما في الترند إنه بيحوّل أي حد لخبير.
شفت فيديو؟ بقيت “محلل” بكسر الحاء مش فتحها لاسمح الله .

قريت بوست؟ بقيت فاهم القصة كلها. ما شفتش أصلًا؟ ولا يهمك… اعمل رأي حاد وخلاص.

الترند ما بيحبش الأسئلة، ولا بيطيق الهدوء،
هو عايز انفعال، جملة نار، إيموجي كتير، ولو أمكن خناقة في الكومنتات.

والأطرف إن الترند عمره قصير جدا.
تقوم تنام، تصحى تلاقيه مات.
والناس كلها بتقول:
“هو إحنا كنا متخانقين على إيه أصلا ؟

وهنا مربط الفرس ياعزيزي “الترنداوي “.. الترند لم يعد نتيجة طبيعية لاهتمام عام، بل أصبح هدفا قائما بذاته. المهم أن “نلحق”، أن نشارك، أن نكتب، أن نصور ، أن نعلق ، حتى لو كنا لا نفهم، أو لا نقتنع، أو لا نملك رأيا حقيقيا .

الأخطر من ذلك، أن ركوب الترند أصبح واجبا وظيفيا لدى البعض..الإعلامي الذي لا يتكلم عن الترند “برا المشهد”، الفنان الذي لا يعلق “غايب”..يعني حضرتك هتتسجل في دفتر عدم الظهور،وممكن يبلغوا ولي أمرك “بلاش ضحك لو سمحت “!

السياسي الذي لا يلمّح “مش حاسس بالشارع”، حتى الخبير – أي خبير – صار مطلوبا منه رأي عاجل في كل ما هو شائع، من أسعار الفراخ إلى انهيار الحضارات..طبعا ماهو خبير بقي يرزعك رأي هنا ورأي هناك ايه المانع !

وهكذا، صار لدينا خبراء في كل شيء، لأن الترند لا ينتظر دراسة ولا تحليلا، الترند يريد رد فعل سريعًا، ولو كان بلا معنى..دقيقة تأخير واحدة كفيلة بأن تجعلك خارج اللعبة، آه والله زي مابقولك كدهون.

الترند لا يحب العقل الهادئ، ولا التحليل المتأني، ولا الأسئلة المنطقية ، هو يفضل الانفعال، ” خلي بالك من ضغطك وسكرك الانفعال وحش ” ،وبيحب ايه تاني هاقولك ياسيدي : الجملة الصادمة، الرأي الحاد، والانقسام الحاد: إما مع أو ضد ، المنطقة الرمادية لا تصلح للترند، لأنها لا تُشارك ولا تُعاد تغريدها.

والطريف أن كثيرا من الترندات لا تعيش أكثر من 48 ساعة ، تظهر فجأة، تملأ الدنيا ضجيجا ، ثم تختفي وكأنها لم تكن ، لكن آثارها باقية إساءة هنا، تشويه هناك، جدل بلا طائل، ووقت ضائع من عمر النقاش العام..وكله مايضرش ولا يضر المهم أنت ركبت الترند ولا .

الأدهى أن بعضنا صار يقيس أهمية القضايا بعدد المشاهدات، لا بعدد المتأثرين ، القضية التي لا “تطلع ترند” لا تستحق – في نظر البعض – الاهتمام، حتى لو كانت تمس حياة ملايين ، بينما فيديو عبثي قد يحظى بتحليل مطوّل لأنه “مولّع الدنيا”.

في النهاية، المشكلة ليست في الترند نفسه، بل في علاقتنا به.. الترند أداة، لكننا تعاملنا معه كقائد كموجه كهدف صحيحا كان أو خطأ .

ربما حان الوقت أن نسأل قبل أن نركب:
هل هذا الترند يستحق؟
هل يضيف فهما ؟
هل يخدم قضية حقيقية؟
أم أننا فقط نخشى أن يفوتنا القطار..حتى لو كان ذاهبا في الاتجاه الخطأ؟

أخيرا عزيزي القاريء المتابع لموجة الترند :

خلي بالك من الترند
مش كل موجة تستاهل السباحة..
ومش كل صعود..دليل قيمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top