لماذا أصبح تحديًا صحيًا عالميًا؟
في العقد الماضي، تحول استخدام الأجهزة الرقمية والإنترنت من مجرد وسيلة ترفيه أو تواصل إلى جزء لا يتجزأ من الحياة اليومية، لكن هذا التحول صاحبَه ارتفاع ملحوظ في الإدمان الرقمي بين الأطفال، المراهقين، والشباب، مما دفع الباحثين ومنظمات الصحة إلى اعتباره قضية صحة عامة متنامية.
اقرأ ايضًا: القلق في زمن السرعة.. كيف ننجو من ضغوط الحياة اليومية؟
ما هو الإدمان الرقمي؟
الإدمان الرقمي هو الاستخدام المفرط وغير المنضبط للتكنولوجيا الرقمية (الهواتف الذكية، الألعاب، الشبكات الاجتماعية، الإنترنت)، بحيث يؤثر سلبًا على الحياة اليومية، العلاقات، الدراسة، والنوم، وقد يتداخل مع الصحة النفسية والجسدية للمستخدم.
انتشاره على مستوى العالم
عالميًا: تشير تحليلات علمية إلى أن نحو 14٪ من سكان العالم يحققون معايير “إدمان الإنترنت” في بعض الدراسات، وأن معدلات الإدمان على الهواتف الذكية قد تصل إلى 27٪ عالميًا.
المراهقون والشباب: في العديد من المناطق، بين 10٪ و20٪ من المراهقين تظهر لديهم سلوكيات إدمانية مرتبطة بالإنترنت، مع ارتفاع واضح في بعض الدول.
أداء ما بعد جائحة كورونا: دراسات عديدة أكدت أن الإدمان الرقمي زاد بعد جائحة COVID-19، خاصة بين المراهقين الذين أمضوا ساعات أطول متصلين بالإنترنت حتى لأغراض الدراسة والترفيه.

نسب الإدمان بين الطلاب
دراسات مصرية متعددة توضح أن استخدام الإنترنت بشكل مفرط بين الطلاب أصبح أمرًا شائعًا للغاية:
في عيّنة من طلاب المدارس الدولية بالقاهرة، أظهرت النتائج ارتفاعًا كبيرًا في نسب الاستخدام المفرط للإنترنت بنسبة 42.3٪ لمشكلات الاستخدام العام، وارتفاع حالات الألعاب والسلوكيات الرقمية المقلقة.
دراسة أخرى وجدت أن 73.2٪ من الطلاب المصريين الذين شملهم التحليل يعانون من مستويات مختلفة من الإدمان الرقمي، مع ارتباط واضح بينه وبين أعراض نفسية مثل الاكتئاب والقلق.
دراسة في إحدى الجامعات وجدت انتشار الإدمان الرقمي بين طلاب التمريض بنسبة 98.8٪، مع مستويات متفاوتة من شدّة الإدمان.
هذه الأرقام تشير إلى انتشار واسع للإدمان الرقمي داخل الفئة الشبابية في مصر مقارنة ببعض الدراسات العالمية، مما يعكس حاجة ماسة لبرامج وقائية وعلاجية.
أعراض الإدمان الرقمي: كيف نكشفه؟
تظهر الأبحاث أن هناك عدة علامات رئيسية للإدمان الرقمي تشمل:
الاستخدام المفرط للهواتف والجهاز الرقمي بشكل لا يتناسب مع الحاجة الحقيقية.
أعراض الانسحاب عند محاولة الابتعاد مثل التوتر، الاكتئاب، العصبية.
العزلة الاجتماعية وتجنب العلاقات الواقعية.
تدهور الأداء الدراسي أو في العمل نتيجة الانشغال الدائم بالأجهزة.
بالإضافة إلى ذلك، أظهرت دراسات حديثة أن الاستخدام الإدماني للشاشات خاصة عند الأطفال والمراهقين يرتبط بزيادة مخاطر السلوكيات النفسية الخطيرة مثل الأفكار الانتحارية، واضطرابات المزاج، حيث وجد أن نحو نصف الفئة الأطفال أظهروا سلوكًا إدمانيًا عاليًا مرتبطًا بزيادة المخاطر النفسية.

مخاطر الإدمان الرقمي على الصحة
الإدمان الرقمي لا يُعد مشكلة سلوكية فقط، بل له آثار نفسية وصحية وجسدية، منها:
- اضطرابات النوم
- تراجع الأداء الدراسي
- زيادة القلق والتوتر والاكتئاب
- ضعف العلاقات الاجتماعية
- مشاكل سلوكية وانفعالية
- في الدراسات الحديثة، ارتفاع احتمالية وقوع أفكار أو سلوكيات انتحارية لدى من يظهرون سلوك إدماني شديد.
علاج الإدمان الرقمي
العلاج يعتمد على مزيج من الاستراتيجيات السلوكية والتربوية، منها:
الوقاية الذاتية
- تحديد أوقات يومية لاستخدام الأجهزة
- عدم تجاوز استخدام الموبايل الـ 2 ساعة يوميًا للأطفال
- إيقاف الإشعارات غير الضرورية
- تعزيز النشاطات الواقعية والهوايات
- الرقابة الأبوية للحد من المحتوى غير المناسب
التدخل المهني
- جلسات العلاج السلوكي المعرفي (CBT)
- دعم نفسي واجتماعي للأطفال والمراهقين
- برامج علاجية جماعية واستشارات مع متخصصي الصحة النفسية
في بعض الدول (مثل الهند وكوريا الجنوبية) ظهرت عيادات وبرامج متخصّصة لعلاج الإدمان الرقمي والسلوكي بالتكامل بين علم النفس والطب والأنشطة الاجتماعية لتقليل الاعتماد على الأجهزة.
توصيات بوابة مصر الصحية
لا يُنصح باعتماد “الانقطاع التام عن الإنترنت” كهدف، بل بالتحكم الذكي والمتوازن في الاستخدام وفق أسس تحددها الأسرة والمتخصصون.
يجب أن يتضمن التعليم المدرسي والتثقيف الأسري برامج إدارة الاستخدام الرقمي لتعزيز الصحة النفسية للأطفال والمراهقين.
من المهم مراقبة الأعراض الانفعالية والسلوكية المبكرة لطلب استشارة طبية أو نفسية متخصّصة قبل تفاقم المشكلة.

الخلاصة
الإدمان الرقمي ليس مجرد كلمات تُستخدم لوصف الاستخدام الطويل للهاتف، بل هو ظاهرة منتشرة عالميًا وخاصة بين الشباب، تحمل مخاطر نفسية واجتماعية مهمة، ويجب التعامل معها بخطة تجمع بين التوعية، الضبط الذاتي، والدعم المهني لضمان صحة رقمية متوازنة.



