العيدية والصحة النفسية.. طقوس صغيرة تصنع ذكريات كبيرة عبر الأجيال

ليست كل العادات مجرد طقوس اجتماعية عابرة، فبعضها يرتبط مباشرة بتكوين الذاكرة النفسية للإنسان منذ الطفولة، ويصبح جزءًا من شعوره بالأمان والانتماء. ومن بين هذه العادات تظل “العيدية” واحدة من أكثر التقاليد التي تحمل تأثيرًا نفسيًا عميقًا، إذ ترتبط في وجدان الملايين بلحظات الفرح الأولى، وبمشاعر العائلة، وبصورة العيد التي لا تكتمل دونها.

علماء النفس يؤكدون أن الطقوس المتكررة في المناسبات، مثل العيدية، تساهم في بناء ما يُعرف بالذاكرة العاطفية، وهي الذاكرة التي ترتبط بالمشاعر وليس بالأحداث فقط. فالطفل الذي ينتظر العيدية كل عام، لا ينتظر المال بقدر ما ينتظر الإحساس بالاهتمام والحب والتقدير، وهو إحساس يظل ملازمًا له حتى بعد أن يكبر.

ومع تغيّر أساليب الحياة وظهور الوسائل المالية الحديثة، بدأ البعض يتخوف من اختفاء هذه العادة أو فقدان معناها، لكن الحقيقة أن التطور لا يعني بالضرورة التخلي عن الطقوس، بل يمكن الحفاظ عليها مع تغيير الشكل فقط. فاليوم يمكن تقديم العيدية من خلال التحويلات الرقمية، أو المحافظ الإلكترونية، أو تطبيقات الدفع الحديثة مثل إنستاباي أو المحافظ البنكية، مع الاحتفاظ بالمعنى نفسه، وهو إدخال الفرح على القلوب في يوم العيد.

فالرسالة التي تحملها العيدية أهم من شكلها، سواء كانت ورقة نقدية داخل ظرف صغير، أو رسالة تحويل على الهاتف تحمل عبارة “عيدية مباركة”.

ما أصل العيدية؟ رحلة تبدأ من مصر الفاطمية

ترجع جذور العيدية إلى قرون طويلة، وتشير المصادر التاريخية إلى أن هذه العادة ظهرت في مصر خلال العصر الفاطمي في أواخر القرن الرابع الهجري، حين كان الخلفاء يحرصون على إدخال السرور على الناس في الأعياد من خلال توزيع الأموال والكسوة والحلوى.

وذكر المؤرخون أن كلمة “عيدية” مشتقة من كلمة “عيد”، وكانت تعني العطاء أو المنحة التي تُقدَّم بهذه المناسبة. ولم تكن العيدية في بدايتها مجرد نقود للأطفال كما نعرفها اليوم، بل كانت جزءًا من طقوس رسمية للدولة، تهدف إلى إظهار الفرح وتعزيز روح التكافل بين الناس.

في عهد الخليفة المعز لدين الله الفاطمي، كانت تُجهّز الكسوة والهدايا قبل العيد بأسابيع، وتُوزّع على رجال الدولة والعامة، كما كانت الموائد تُقام في القصور، وتُقدَّم الحلوى ويُلقى المال على الناس في الساحات، في مشهد احتفالي كبير يعكس مكانة العيد في المجتمع.

وكانت هذه العادة تُعرف في ذلك الوقت باسم “التوسعة”، أي التوسعة على الناس في أيام العيد، وهي فكرة قريبة جدًا من مفهوم العيدية الحالي.

العيدية-العصر-الفاطمي

من “التوسعة” إلى “الجامكية” في العصر المملوكي

مع دخول العصر المملوكي، تطورت العيدية وأخذت شكلًا أكثر تنظيمًا، وعُرفت باسم “الجامكية”، وهي كلمة مشتقة من لفظ تركي يعني المال المخصص للكسوة.

وفي ذلك الوقت لم تكن العيدية للأطفال فقط، بل كانت تُصرف للجنود والموظفين وكبار رجال الدولة بأمر من السلطان، لتساعدهم على شراء ملابس جديدة والاحتفال بالعيد.

وهنا بدأت العيدية تتحول من هبة سلطانية إلى عادة اجتماعية أوسع، ترتبط بالفرح والمشاركة، وليس فقط بالسلطة أو الدولة.

في العصر العثماني… العيدية تصبح عادة شعبية

في العصر العثماني خرجت العيدية من إطار الدولة إلى إطار المجتمع، وأصبحت عادة يتبادلها الناس فيما بينهم، وأصبحت مرتبطة أكثر بالأسرة والأقارب والجيران.

لم تعد العيدية مجرد مبلغ مالي، بل أصبحت تعبيرًا عن المحبة والتقارب، فقد تكون نقودًا، أو ملابس، أو حلوى، أو هدية بسيطة، لكن الهدف واحد، وهو نشر الفرح في أيام العيد.

ومع مرور الوقت، استقرت العيدية في شكلها المعروف اليوم، حيث يعطي الكبار الصغار مبلغًا من المال، ينتظرونه بشغف كل عام، ويقارنون بينه وبين عيديات الأصدقاء والأقارب، لتصبح جزءًا من ذكريات الطفولة التي لا تُنسى.

العيدية في العصر الحديث… هل تتغير أم تتطور؟

مع التحول الرقمي وانتشار التعاملات الإلكترونية، بدأت أشكال العيدية تتغير، فبدلًا من النقود الورقية، أصبح البعض يرسل العيدية عبر التحويلات البنكية أو المحافظ الإلكترونية أو التطبيقات الحديثة.

لكن خبراء علم النفس والاجتماع يرون أن الحفاظ على العادات مهم لصحة الإنسان النفسية، لأنها تمنحه شعورًا بالاستقرار والاستمرارية، خاصة في المناسبات الدينية التي ترتبط بالذكريات العائلية.

ولهذا يمكن الحفاظ على العيدية دون إلغائها، من خلال الجمع بين الشكل الحديث والمعنى القديم، مثل إرسال تحويل إلكتروني مع رسالة تهنئة، أو إعطاء الطفل عيدية رمزية مع تحويل أكبر على الهاتف، بحيث يبقى الشعور نفسه موجودًا.

فالطفل لا يتذكر قيمة العيدية بقدر ما يتذكر اللحظة، والابتسامة، وعبارة “كل سنة وأنت طيب”.

العيدية ليست نقودًا… بل ذاكرة تُورَّث

عبر قرون طويلة تغيّر شكل العيدية مرات كثيرة، من دنانير ذهبية في قصور الخلفاء، إلى رواتب في عهد السلاطين، إلى هدايا بين الناس، إلى أوراق نقدية في أيدي الأطفال، وصولًا إلى تحويلات رقمية في الهواتف.

بوابة مصر الصحية: لكن المعنى لم يتغير

فالعيدية ليست مجرد مال، بل طقس اجتماعي يصنع الفرح، ويقوّي الروابط، ويبني ذكريات تبقى في النفس طوال العمر.

ولهذا، مهما تطورت الوسائل، يبقى الحفاظ على العيدية حفاظًا على جزء من إنسانيتنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top