بقلم: رجاء ناجي
بهدوء، ومن وسط غبار المأساة التي استيقظت عليها منطقة كرموز بالإسكندرية، لا يمكننا أن نكتفي ببيانات النيابة أو تفاصيل الجريمة البشعة، بل علينا أن نقف طويلاً أمام “الخيط الرفيع” الذي انقطع، فهوى بأسرة كاملة إلى قاع الموت. هذا الخيط يسمى “الأمان”.
اقرأ ايضًا: الأمان الصحي.. «قشة» الطبقة الوسطى
الأمان ليس مجرد سقف وجدران، بل هو يقين الإنسان بأن هناك “يداً” ستمتد إليه حين تخذله قواه. في هذه الحادثة، نحن أمام سيدة هزمها السرطان، وكسرها غياب “أمان الزوج” بالطلاق والتخلي، فوجدت نفسها وأطفالها في عراء اجتماعي ونفسي موحش. لسنا هنا بصدد تبرير ما فعلته، فالفعل بشع والروح مقدسة، لكننا بصدد تحليل “اللحظة” التي أقنعت فيها الأم أطفالها بأن الموت هو “الجسر الوحيد للجنة”، واللحظة التي استسلم فيها ابنها الشاب لهذا اليأس المطلق.
إن ما كان ينقص هذه السيدة، وغيرها الكثيرات، هو “المعرفة”. المعرفة بأن هناك علاجاً بكرامة متاحاً ومجانياً، وأن هناك مظلة “تأمين صحي شامل” بدأت تفرش ظلالها نتمني الاسراع لتشمل الجميع، وأن هناك مراكز لحماية المرأة وأطفالها من غدر الظروف وتخلي المعيل، ولابد من التوسع خاصًا في ظل انتشار ظاهرة الطلاق والظروف الاقتصادية القاسية على البعض،
إن الأمان الصحي والاجتماعي لا يكتمل بمجرد وجود “المباني” أو “القوانين”، بل يكتمل بـ “الإعلان القوي” عنها،والتواجد الفعلي الملموس،
لا يكفي أن يكون العلاج مجانياً إذا كان المريض لا يعرف أين يذهب. لا يكفي أن تكون هناك “بيوت استضافة” للمطلقات والمعنفات إذا كانت هذه الأماكن غائبة عن وعي السيدة البسيطة في أزقة كرموز أو قرى الصعيد. إن غياب المعلومة هو الذي يفتح الباب لـ “خيال اليأس” ليقترح الموت كحل وحيد.
هذا الحادث هو “إنذار دموي” لابد أن نحترمه. هو نداء لنا جميعاً كمسؤولين وإعلاميين ومجتمع مدني:
* أعلنوا بقوة: عن أماكن العلاج النفسي المجاني التابعة لوزارة الصحة.
* انشروا بوضوح: أرقام الشكاوى والخطوط الساخنة لحماية المرأة والطفل.
* رسخوا اليقين: بأن الدولة والمجتمع لن يتركا مريضاً يصارع السرطان والفقر والوحدة بمفرده.
لقد فقدت أم كرموز أمان الزوج، لكن الفاجعة الحقيقية أنها لم تجد “ملجأً” تعتقد أنه سيحميها هي وصغارها. دعونا نجعل من هذه المأساة بداية لحملة وطنية شاملة تحت شعار “لستِ وحدك”، لنصل بالمعرفة إلى كل باب، قبل أن يغلقه اليأس للأبد.
بهدوء، الأمان هو الحق الأول للإنسان، وبدونه.. يصبح كل شيء مستحيلاً.
دمتم واعين.. دمتم بصحة.


