مريض بلا دليل.. وعمليات ب 10 أسعار مختلفة في نفس المدينة
تحقيق : بوابة مصر الصحية
رحلة علاج بلا بوصلة
في ظل الضغوط الاقتصادية المتزايدة، لم تعد تكلفة العلاج مجرد عبء، بل أصبحت لغزًا محيرًا يواجهه المريض منذ اللحظة الأولى لدخوله أي مستشفى خاص.
فلا توجد قائمة أسعار واضحة، ولا مرجع رسمي يمكن الرجوع إليه، ولا حتى شفافية في تفاصيل الفاتورة.
فبين مستشفى وآخر، قد تختلف تكلفة العملية الواحدة بشكل “فلكي”، دون وجود تفسير واضح أو معايير معلنة، ما يضع المريض أمام خيارات ضبابية لا يستطيع تقييمها أو المقارنة بينها.
اقرأ ايضًا: طبّ النجوم.. حين يتحول الألم إلى رفاهية
جراحة واحدة.. أسعار متعددة
عمليات شائعة مثل استئصال اللوز أو المرارة، التي يفترض أن تكون تكلفتها متقاربة طبيًا، قد نجد لها أكثر من 8 أو 10 أسعار مختلفة داخل نفس المحافظة، في ظل غياب أي تسعير منظم يحدد الحد الأدنى والأقصى للخدمة.
ولا تقتصر المشكلة على اختلاف السعر، بل تمتد إلى غياب تفصيل التكلفة نفسها، حيث لا يعرف المريض ما الذي يدفعه تحديدًا:
هل هي تكلفة الجراحة؟ أم أجر الطبيب؟ أم الإقامة؟ أم الفحوصات
وليست الجراحات فقط وانما امتد الامر الي الرعايات فنجد،
“اليوم في الرعاية بـ10 آلاف في مستشفى.. و50 ألف في مستشفى تاني!.. نفس الأجهزة ونفس الحالة تقريبًا.. الفرق في إيه؟” تساؤل برئ يسالة المواطن ولا يجد أجابة ؟
هذه الشكاوى لم تعد استثناءً، بل تعكس واقعًا متكررًا يواجه آلاف المرضى يوميًا، في ظل غياب تسعير واضح أو مرجعية رسمية للخدمات الطبية داخل المستشفيات الخاصة.
في سوق العلاج الخاص، لم يعد هناك “سعر منطقي” للإجراء الطبي، بل أصبح السعر يتغير وفقًا للمستشفى، وموقعه، واسمه، وأحيانًا تقديراته الخاصة.

فاتورة بلا تفاصيل
الأزمة لا تتعلق فقط بارتفاع الأسعار، بل بغياب الشفافية:
• لا توجد بنود واضحة للفواتير
• لا يعرف المريض تكلفة كل خدمة على حدة
• يتم تقديم رقم إجمالي دون تفسير كافٍ
هذا الغموض يفتح الباب لاختلافات واسعة في التسعير، ويضعف قدرة المريض على اتخاذ قرار واعٍ.
نموذج مختلف: التأمين الصحي الشامل
على الجانب الآخر، يقدم نظام هيئة التأمين الصحي الشامل نموذجًا أكثر انضباطًا، حيث:
• يتم تحديد أسعار واضحة لكل إجراء
• تلتزم المستشفيات الخاصة المتعاقدة بهذه الأسعار
• يتم استبعاد أي جهة تخالف التسعير
هذا النموذج نجح في خلق توازن بين الجودة والتكلفة داخل المحافظات التي تم تطبيقه بها، ووفّر للمريض حماية حقيقية من المغالاة، بل وتعترف لمستشفيات الخاصة بتحقيق ارباح، اذا لماذا لا يتخذ هذا النموذج ونطبق اسعارة؟!
خارج المنظومة.. السوق بلا قواعد
لكن المشكلة أن عددًا كبيرًا من المحافظات لم يدخل بعد ضمن منظومة التأمين الصحي الشامل، ما يترك ملايين المواطنين في مواجهة سوق مفتوح دون ضوابط واضحة.
في هذه المناطق، يعاني المريض من:
• غياب التسعير الاسترشادي
• تفاوتات حادة في الأسعار
• عدم القدرة على المقارنة أو الاختيار
خبراء: التسعير يجب أن يكون “طبيًا” لا “مزاجيًا”
يؤكد متخصصون أن:
• تكلفة الإجراء الطبي يجب أن تكون متقاربة في الأساس
• الفروق الطبيعية تكون في مستوى الإقامة والخدمات الفندقية
• غياب التسعير المنظم يؤدي إلى تشوهات في السوق
كما يشددون على أن وجود قائمة أسعار استرشادية لا يضر الاستثمار، بل يعزز الشفافية والمنافسة العادلة.
السؤال الحاسم: أين دور التنظيم؟
في ظل هذه الفوضى، يطرح الواقع تساؤلات ملحّة:
• لماذا لا يتم تعميم نموذج التأمين الصحي الشامل في الاسعار لانة يوضع من قبل لجان ممثل بها القطاع الخاص ؟
• لماذا لا تصدر وزارة الصحة قائمة أسعار استرشادية ملزمة؟
• ولماذا لا يتم إلزام المستشفيات بإعلان الأسعار بشكل واضح؟
• لماذا لا يعرف المريض تكلفة اي اجراء جراحي حتي يعرف متي يلجأ للشكوي؟
أرقام تعكس الأزمة (تقديرات ميدانية)
• عمليات بسيطة: فروق تصل إلى 2-3 أضعاف
• جراحات متوسطة: اختلافات بعشرات الآلاف
• الرعاية المركزة: فجوة قد تتجاوز 5 أضعاف في اليوم الواحد
الحلول.. هل من تدخل قريب؟
يرى خبراء أن ضبط المنظومة يتطلب:
1. إصدار قائمة أسعار استرشادية ملزمة
2. إلزام المستشفيات بإعلان الأسعار
3. توحيد شكل الفاتورة الطبية
4. تشديد الرقابة على التسعير
5. الإسراع في تعميم التأمين الصحي الشامل
الخلاصة: المريض يدفع الثمن
بين غياب التسعير، وانعدام الشفافية، وتأخر التغطية التأمينية، يبقى المريض هو الحلقة الأضعف.
وفي وقت أصبحت فيه تكلفة العلاج قضية حياة، لم يعد مقبولًا أن تختلف الأسعار بهذا الشكل الحاد، أو أن يظل المواطن بلا دليل يحميه.
فالعلاج حق.. وليس “سوق مفتوح” لمن يدفع أكثر.



