400 ألف إصابة سنويًا.. وأقل من 30% فقط ينجون في الدول الفقيرة
يظل سرطان الأطفال أحد أخطر التحديات الصحية عالميًا، ليس فقط بسبب طبيعته المعقدة، ولكن بسبب التفاوت الكبير في فرص النجاة بين الدول. فبينما ينجو معظم الأطفال في الدول المتقدمة، لا يزال المرض يمثل حكمًا بالموت في كثير من الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، نتيجة تأخر التشخيص وضعف الإمكانات العلاجية.
اقرأ ايضًا: 400 ألف طفل يواجهون السرطان سنوياً.. كيف تجعل التشخيص المبكر طوق نجاتهم؟
أرقام مقلقة عالميًا
تشير أحدث التقديرات لمنظمة الصحة العالمية إلى أن نحو 400 ألف طفل ومراهق تتراوح أعمارهم بين 0 و19 عامًا يُشخّصون سنويًا بالسرطان حول العالم. ويُعد المرض من أبرز أسباب الوفاة بين الأطفال، خاصة في الدول التي تعاني من ضعف أنظمة الرعاية الصحية.
وتكشف البيانات عن فجوة صادمة:
• أكثر من 80% من الأطفال المصابين بالسرطان في الدول مرتفعة الدخل ينجون من المرض
• بينما تقل نسبة الشفاء إلى أقل من 30% في العديد من الدول منخفضة ومتوسطة الدخل
ولا تعكس هذه الأرقام اختلافًا في طبيعة المرض، بقدر ما تعكس تفاوتًا في فرص التشخيص والعلاج.

أكثر الأنواع شيوعًا
تختلف طبيعة السرطان لدى الأطفال عن البالغين، حيث تسود أنواع معينة مثل:
• أورام المخ والجهاز العصبي
• الأورام الصلبة مثل الورم الأرومي العصبي وورم ويلمز
أما لدى المراهقين، فتزداد معدلات الإصابة بسرطان العظام وسرطان الغدة الدرقية.
لماذا يموت الأطفال في الدول الفقيرة؟
يرجع انخفاض معدلات البقاء على قيد الحياة إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها:
• التشخيص المتأخر أو الخاطئ
• نقص الإمكانات التشخيصية الدقيقة
• عدم توافر الأدوية الأساسية
• صعوبة الوصول إلى مراكز العلاج
• توقف بعض المرضى عن استكمال العلاج
• الوفاة نتيجة المضاعفات أو الانتكاس وتشير بيانات حديثة إلى أن أقل من ثلث الدول منخفضة الدخل فقط توفر أدوية السرطان بشكل منتظم، مقارنة بنحو 96% من الدول الغنية.
هل يمكن الوقاية من سرطان الأطفال؟
على عكس السرطان لدى البالغين، لا ترتبط معظم حالات سرطان الأطفال بنمط الحياة أو العوامل البيئية، ما يجعل الوقاية المباشرة محدودة.
ومع ذلك، تلعب بعض العوامل دورًا مهمًا، مثل:
• العدوى المزمنة (كفيروس نقص المناعة، فيروس إبشتاين-بار، والملاريا)
• العوامل الوراثية، التي تمثل نحو 10% من الحالات
كما تبرز أهمية التطعيمات، مثل لقاح التهاب الكبد B ولقاح فيروس الورم الحليمي البشري، في تقليل مخاطر الإصابة المستقبلية ببعض أنواع السرطان.
التشخيص المبكر.. الفارق بين الحياة والموت
يعد التشخيص المبكر العامل الأكثر تأثيرًا في فرص الشفاء، حيث تزيد احتمالات الاستجابة للعلاج بشكل كبير عند اكتشاف المرض في مراحله الأولى.
ويتطلب ذلك:
• رفع وعي الأسر بالأعراض المبكرة مثل الحمى المستمرة، فقدان الوزن، آلام العظام، والصداع المزمن
• تدريب مقدمي الرعاية الصحية على الاشتباه المبكر
• توفير وسائل تشخيص دقيقة وسريعة
ورغم ذلك، لا يُوصى عادةً ببرامج الفحص الشامل للأطفال، نظرًا لندرة المرض، باستثناء بعض الحالات الوراثية المحددة.
العلاج متاح.. لكن ليس للجميع
تؤكد الخبرات الطبية أن أكثر من 80% من حالات سرطان الأطفال قابلة للعلاج عند توافر الخدمات المناسبة، والتي تشمل:
• العلاج الكيميائي
• الجراحة
• العلاج الإشعاعي
كما تعتمد جودة العلاج على وجود فرق طبية متعددة التخصصات، تراعي الجوانب الجسدية والنفسية والتغذوية للطفل.
ورغم أن كثيرًا من الأدوية المستخدمة هي أدوية جنيسة منخفضة التكلفة، إلا أن عدم توافرها في بعض الدول يمثل عائقًا كبيرًا أمام العلاج.
الرعاية الملطفة.. حق إنساني
حتى في الحالات التي لا يمكن شفاؤها، تبقى الرعاية الملطفة عنصرًا أساسيًا، حيث تساهم في تخفيف الألم وتحسين جودة الحياة للأطفال وأسرهم.
وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 80% من مرضى السرطان في مراحله المتقدمة يحتاجون إلى مسكنات قوية للألم، مثل المورفين، وهو ما لا يتوفر بشكل كافٍ في العديد من الدول.

جهود دولية لسد الفجوة
في مواجهة هذه التحديات، أطلقت منظمة الصحة العالمية مبادرة عالمية لمكافحة سرطان الأطفال، تستهدف رفع معدلات الشفاء إلى 60% على الأقل بحلول عام 2030، ما قد يسهم في إنقاذ مليون طفل إضافي خلال العقد الحالي.
كما تم إطلاق منصة عالمية لتوفير أدوية سرطان الأطفال بشكل مستدام، إلى جانب دعم الحكومات في تطوير مراكز علاج متخصصة، وتحسين التشخيص، وتوفير التكنولوجيا اللازمة.
سرطان الأطفال..عدم المساواة في الصحة العامة
تكشف أزمة سرطان الأطفال عن واحدة من أكثر صور عدم المساواة وضوحًا في الصحة العالمية. فبينما تتوفر فرص النجاة في بعض الدول، يظل آلاف الأطفال في دول أخرى محرومين من أبسط حقوقهم في العلاج.
ويؤكد الخبراء أن الحل لا يكمن فقط في تطوير الأدوية، بل في:
• تحسين نظم الرعاية الصحية
• توفير التشخيص المبكر
• ضمان إتاحة العلاج للجميع
• دعم الأسر نفسيًا واجتماعيًا
في النهاية، يبقى سرطان الأطفال اختبارًا حقيقيًا لقدرة الأنظمة الصحية على تحقيق العدالة، حيث يمكن إنقاذ معظم الأطفال، إذا توفرت لهم الفرصة فقط.



