H2: الشراء العشوائي والتناول غير المنضبط للأدوية يحول العلاج إلى خطر صامت داخل المنازل
في الوقت الذي تتجه فيه الأنظمة الصحية حول العالم إلى ترشيد استخدام الدواء بدقة شديدة، تتصاعد في المقابل ظاهرة مقلقة داخل المجتمع المصري تُعرف بـ«صيدليات البيوت»، حيث يتحول الدواء من وسيلة علاج إلى سلعة تُشترى وتُخزن وتُستخدم بشكل عشوائي، دون ضوابط طبية.
هذه الظاهرة لم تعد مجرد سلوك فردي، بل أصبحت قضية صحة عامة تمس الأمن الدوائي، وتفتح الباب لمخاطر صحية واقتصادية واسعة، في ظل غياب الوعي بأن الدواء ليس منتجًا آمنًا في المطلق، بل مادة كيميائية لها فوائد ومخاطر يجب التعامل معها بحذر شديد.
تشير بيانات سوق الدواء في مصر إلى تسجيل مبيعات بنحو 48.6 مليار جنيه خلال شهري يناير وفبراير 2026 فقط، بنسبة نمو بلغت 14%، وهو رقم يعكس زيادة كبيرة في الاستهلاك. لكن السؤال الأهم: هل كل هذا الاستهلاك مبرر طبيًا؟
تقارير دولية تؤكد أن الإجابة لا. فبحسب تقديرات منظمة الصحة العالمية، فإن أكثر من 50% من الأدوية حول العالم يتم استخدامها بشكل غير مناسب، سواء في الوصف أو الصرف أو حتى طريقة الاستخدام، كما أن نصف المرضى لا يلتزمون بالجرعات المحددة، خاصة في الأمراض المزمنة.
في مصر، تتجلى المشكلة بشكل واضح في ثقافة “شراء العلبة”، حيث يحصل المريض على كميات أكبر من احتياجه الفعلي، لتتحول بقايا الأدوية إلى مخزون منزلي يُستخدم لاحقًا دون استشارة طبية، أو ينتهي به الأمر منتهي الصلاحية داخل الأدراج.

هذا السلوك يحمل مخاطر صحية جسيمة، فالأدوية ليست آمنة كما يعتقد البعض، بل قد تسبب آثارًا جانبية خطيرة إذا استُخدمت دون إشراف طبي، أو تم تجاوز الجرعة أو مدة العلاج المحددة. فالإفراط في المسكنات مثلًا قد يؤدي إلى مشكلات في الكبد والكلى، بينما يؤدي الاستخدام غير المنضبط للمضادات الحيوية إلى تسريع ظاهرة مقاومة البكتيريا، وهي واحدة من أخطر التهديدات الصحية عالميًا.
كما أن تناول أدوية قديمة أو مخزنة بشكل غير صحيح – في درجات حرارة أو رطوبة غير مناسبة – قد يفقدها فعاليتها أو يحولها إلى مركبات ضارة، ما يعرض المرضى لمضاعفات غير متوقعة.
ولا تتوقف الأزمة عند حدود الصحة، بل تمتد إلى الاقتصاد، حيث يؤدي هذا السلوك إلى خلق “طلب وهمي” على الدواء، يضغط على سلاسل الإمداد، وقد يتسبب في نقص بعض الأدوية لدى المرضى الأكثر احتياجًا. كما يمثل عبئًا إضافيًا على الدولة التي تستورد جزءًا كبيرًا من المواد الخام الدوائية بالعملة الصعبة.
الأخطر من ذلك، أن “صيدليات البيوت” تفتح الباب أمام التشخيص الذاتي، حيث يلجأ البعض لاستخدام أدوية بناءً على تجارب سابقة أو نصائح غير متخصصة، متجاهلين أن نفس الأعراض قد تكون مؤشرًا لأمراض مختلفة تمامًا.
في المقابل، تعتمد العديد من الدول المتقدمة نظمًا دقيقة مثل “صرف الجرعة بالوحدة”، بحيث يحصل المريض فقط على الكمية التي يحتاجها خلال فترة العلاج، وهو ما يقلل الهدر ويضمن الاستخدام الآمن.
أمام هذه التحديات، تبرز الحاجة إلى تحرك متكامل يبدأ من وعي المواطن، مرورًا بدور الطبيب والصيدلي، وصولًا إلى سياسات تنظيمية أكثر صرامة. فترشيد استخدام الدواء لا يعني فقط تقليل الإنفاق، بل حماية صحة الأفراد وضمان استدامة المنظومة الصحية.
الرسالة الأهم التي يجب أن تصل إلى كل بيت:
الدواء ليس منتجًا عاديًا يمكن تخزينه أو استخدامه عند الحاجة، بل هو علاج دقيق يجب الالتزام فيه بالجرعة والمدة المحددة فقط، وتحت إشراف طبي.
وفي زمن تتزايد فيه التحديات الصحية، قد يكون أخطر ما نواجهه ليس نقص الدواء… بل سوء استخدامه.



