تُعد أمراض التمثيل الغذائي الوراثية من الأمراض النادرة نسبيًا، لكنها من أكثر المشكلات الصحية خطورة لدى الأطفال إذا لم تُكتشف مبكرًا. وتحدث هذه الأمراض نتيجة خلل جيني يؤثر على قدرة الجسم في تكسير أو استخدام بعض العناصر الغذائية مثل البروتينات أو الدهون أو السكريات، ما يؤدي إلى تراكم مواد سامة داخل الجسم أو نقص مواد ضرورية للنمو والحياة.
ومع التقدم العلمي، أصبح الكشف المبكر عن هذه الأمراض أحد أهم أدوات الوقاية من الإعاقات الذهنية والمضاعفات الصحية الخطيرة، وهو ما دفع العديد من الدول، ومن بينها مصر، إلى التوسع في برامج الكشف المبكر ضمن المبادرات الرئاسية للصحة العامة.
ما هي أمراض التمثيل الغذائي؟
يؤكد خبراء طب الأطفال أن أمراض التمثيل الغذائي الوراثية تضم أكثر من 1500 مرض مختلف، تنتج جميعها عن نقص أو غياب أحد الإنزيمات المسؤولة عن العمليات الكيميائية داخل الجسم.
وتشير بيانات المعاهد الوطنية للصحة في الولايات المتحدة إلى أن معدل الإصابة ببعض هذه الأمراض يتراوح بين حالة لكل 800 مولود إلى حالة لكل 2500 مولود بحسب نوع المرض والتركيب الجيني للسكان.
وتشمل أشهر هذه الأمراض:
* الفينيل كيتون يوريا (PKU).
* الجالاكتوزيميا.
* أمراض اختزان الجليكوجين.
* اضطرابات أكسدة الأحماض الدهنية.
* اضطرابات دورة اليوريا.
* مرض البول القيقبي (MSUD).
أعراض قد تظهر منذ الأيام الأولى
تكمن خطورة هذه الأمراض في أن الطفل قد يبدو طبيعيًا عند الولادة، ثم تبدأ الأعراض في الظهور تدريجيًا خلال الأيام أو الأسابيع الأولى.
ومن أبرز الأعراض:
- ضعف الرضاعة أو رفض الطعام.
- القيء المتكرر.
- الخمول وقلة الحركة.
- تأخر النمو واكتساب الوزن.
- تشنجات أو نوبات صرع.
- اصفرار الجلد والعينين.
- تأخر النمو العقلي والحركي.
- غيبوبة مفاجئة في الحالات الشديدة.
ويحذر الأطباء من أن تجاهل هذه العلامات قد يؤدي إلى تلف دائم بالمخ أو الكبد أو القلب، وقد يهدد حياة الطفل.
أرقام عالمية مقلقة
بحسب منظمة الصحة العالمية، تُسهم الأمراض الوراثية والعيوب الخلقية في مئات الآلاف من وفيات الأطفال سنويًا حول العالم، بينما يمكن تجنب نسبة كبيرة من المضاعفات الناتجة عن أمراض التمثيل الغذائي من خلال التشخيص المبكر والعلاج السريع.
وتؤكد الدراسات المنشورة في دورية The Lancet أن برامج فحص حديثي الولادة نجحت في خفض معدلات الإعاقة الذهنية المرتبطة ببعض أمراض التمثيل الغذائي بنسبة تتجاوز 90%.

كيف يتم التشخيص؟
يعتمد التشخيص على:
* فحص حديثي الولادة عبر عينة دم من كعب القدم.
* التحاليل الوراثية والجينية.
* قياس مستويات الأحماض الأمينية والإنزيمات.
* الفحوصات المتخصصة للكبد والكلى والجهاز العصبي.
ويعد الفحص المبكر خلال الأيام الأولى من العمر العامل الأهم في نجاح العلاج ومنع المضاعفات.
اقرأ ايضًا: الصحة فحص 72 مليونًا طالب ضمن مبادرة الأنيميا والسمنة والتقزم
هل يوجد علاج؟
رغم أن معظم هذه الأمراض وراثية ولا يمكن منع حدوثها بعد الولادة، فإن العلاج أصبح أكثر فاعلية من السابق.
وتشمل طرق العلاج:
- أنظمة غذائية علاجية خاصة.
- ألبان طبية مخصصة لبعض الأمراض الوراثية.
- تعويض الإنزيمات الناقصة في بعض الحالات.
- أدوية تقلل تراكم المواد السامة.
- المتابعة الدورية مع فرق متخصصة.
ويؤكد الأطباء أن العديد من الأطفال المصابين يمكنهم ممارسة حياة طبيعية تمامًا إذا تم اكتشاف المرض مبكرًا والالتزام بالخطة العلاجية.
المبادرة الرئاسية في مصر
في إطار جهود الدولة للاهتمام بصحة الأطفال، أطلقت مصر مبادرة رئيس الجمهورية للكشف المبكر وعلاج الأمراض الوراثية لدى الأطفال حديثي الولادة.
وتهدف المبادرة إلى فحص جميع المواليد للكشف المبكر عن عدد من الأمراض الوراثية وأمراض التمثيل الغذائي، بما يضمن التدخل العلاجي السريع قبل ظهور المضاعفات.
وتشمل المبادرة إجراء الفحوصات من خلال وحدات الرعاية الصحية ومراكز الفحص المعتمدة على مستوى الجمهورية، مع توفير العلاج والمتابعة للحالات المكتشفة.
وقد ساهمت المبادرة في توسيع نطاق الكشف المبكر ورفع فرص العلاج وتحسين جودة حياة آلاف الأطفال وأسرهم.
الوقاية تبدأ بالفحص
يؤكد المتخصصون أن الكشف المبكر هو السلاح الأقوى في مواجهة أمراض التمثيل الغذائي، إذ يمكن أن يمنع الإعاقة الذهنية والمضاعفات الخطيرة، ويمنح الطفل فرصة للنمو بصورة طبيعية.
لذلك ينصح الأطباء جميع الأسر بالالتزام بفحوصات حديثي الولادة، وعدم تجاهل أي أعراض غير طبيعية تظهر على الطفل خلال الأشهر الأولى من العمر، فالتشخيص المبكر قد يصنع الفارق بين حياة صحية ومستقبل مليء بالمضاعفات.



