300 مليون مريض حول العالم.. و12 مرضًا على قائمة الأولويات المصرية.. وإطلاق أول منتدى وطني يفتح ملفًا ظل لسنوات “خارج دائرة الضوء”
تقرير: بوابة مصر الصحية
لم يعد الحديث عن الأمراض النادرة رفاهية طبية أو ملفًا يخص أعدادًا محدودة من المرضى، بل أصبح أحد أكبر التحديات الصحية والاقتصادية والإنسانية في العالم. وبينما يعيش أكثر من 300 مليون شخص حول العالم مع أحد الأمراض النادرة، وتوجد أكثر من 7 آلاف حالة مرضية نادرة معروفة، بدأت مصر في السنوات الأخيرة بناء استراتيجية وطنية متكاملة للتعامل مع هذا الملف المعقد، تقوم على التشخيص المبكر، والتوسع في العلاج، والحماية المالية للمرضى وأسرهم.
وفي هذا السياق، شهد الدكتور خالد عبدالغفار، وزير الصحة والسكان، انطلاق أول منتدى وطني للأمراض النادرة في مصر، والذي نظمته مؤسسة “مرسال”، في خطوة تعكس تحولًا مهمًا في طريقة تعامل الدولة مع واحدة من أكثر القضايا الصحية تعقيدًا وإنسانية.
الأمراض النادرة.. ليست نادرة كما نعتقد
وفقًا لتعريف منظمة الصحة العالمية والاتحاد الأوروبي، يُطلق مصطلح “المرض النادر” على الأمراض التي تصيب أقل من شخص واحد بين كل ألفي شخص، لكن المفارقة أن هذه الأمراض مجتمعة تؤثر على ما بين 3.5% و5.9% من سكان العالم، أي ما يزيد على 300 مليون إنسان. وتشير الدراسات الدولية إلى أن أكثر من 75% من الأمراض النادرة ذات منشأ وراثي، بينما لا يتوفر علاج معتمد لنحو 95% منها حتى الآن.
وتشمل الأمراض النادرة عشرات الآلاف من الحالات، مثل ضمور العضلات الوراثي، والهيموفيليا، والتليف الكيسي، وأمراض التمثيل الغذائي، وبعض أنواع السرطان النادرة، وأمراض نقص المناعة الوراثية.
اقرأ ايضًا: “درع الجينات”.. مصر تقود العالم لتغيير واقع الأمراض النادرة
مأساة التشخيص المتأخر.. رحلة قد تستغرق سنوات
إحدى أكبر المشكلات التي تواجه مرضى الأمراض النادرة عالميًا هي رحلة التشخيص الطويلة، حيث تشير التقديرات إلى أن المريض قد يحتاج في المتوسط من 5 إلى 7 سنوات للحصول على تشخيص دقيق، بعد المرور على العديد من التخصصات والأطباء والفحوصات، وهو ما يؤدي إلى فقدان فرص العلاج المبكر وارتفاع المضاعفات والتكاليف النفسية والاجتماعية والاقتصادية.
ولهذا السبب، أصبحت برامج الكشف المبكر عن الأمراض الوراثية وحديثي الولادة أحد أهم الاتجاهات العالمية في مواجهة الأمراض النادرة.
مصر تدخل المعركة مبكرًا
أكد الدكتور خالد عبدالغفار خلال المنتدى أن الدولة المصرية وضعت ملف الأمراض النادرة ضمن أولويات الاستراتيجية الوطنية للصحة 2024-2030، من خلال رؤية متكاملة تعتمد على:
* التشخيص المبكر.
* مسارات الإحالة المنظمة.
* الحماية المالية.
* التوسع في العلاج.
* إنشاء قواعد بيانات وطنية.
* دعم البحث العلمي والجينوم المصري.
وأشار الوزير إلى أن الدولة بدأت بالفعل تنفيذ عدد من الإجراءات غير المسبوقة، من بينها:
1- إنشاء السجل الوطني للأمراض النادرة
والذي يمثل قاعدة بيانات مركزية لرصد المرضى، وتحليل الاحتياجات العلاجية، ووضع السياسات الصحية المناسبة.
2- تحديد 12 مرضًا نادرًا كأولوية وطنية
من خلال اللجنة العلمية العليا للأمراض النادرة، لضمان توجيه الموارد والدعم وفق أسس علمية عادلة ومستدامة.
3- إنشاء صندوق للأمراض النادرة
بهدف تخفيف الأعباء الاقتصادية الهائلة التي تتحملها الأسر.
4- إدراج خدمات الأمراض النادرة ضمن التأمين الصحي الشامل
في خطوة تستهدف ضمان وصول العلاج للمواطنين دون أن تتحول تكلفة المرض إلى عبء اقتصادي كارثي.

الكشف المبكر.. نقطة القوة المصرية
أحد أهم عناصر القوة التي بنتها مصر خلال السنوات الأخيرة هو التوسع في برامج الكشف المبكر للأمراض الوراثية وحديثي الولادة.
فقد أعلنت وزارة الصحة أن المبادرة الرئاسية للكشف المبكر عن الأمراض الوراثية نجحت في فحص أكثر من 735 ألف طفل حديث الولادة منذ إطلاقها، مع استهداف الكشف عن 19 مرضًا وراثيًا في مرحلتها الحالية، تمهيدًا للتوسع إلى المسح الشامل لجميع المواليد في مصر.
كما نجحت مبادرة الكشف المبكر عن ضعف السمع في فحص أكثر من 9.5 مليون طفل منذ انطلاقها عام 2019، لتصبح واحدة من أكبر برامج الفحص المبكر عالميًا.
وفي يونيو الجاري، بدأت وزارة الصحة تنفيذ برنامج “مسار المولود الجديد”، الذي يهدف إلى تقديم حزمة متكاملة من الفحوصات الوقائية والوراثية والعلاجية منذ الأيام الأولى للولادة.
لماذا أصبحت الأدوية هي التحدي الأكبر؟
رغم التقدم العلمي الكبير، لا يزال العلاج يمثل التحدي الأصعب أمام مرضى الأمراض النادرة.
وتصل تكلفة بعض العلاجات الجينية الحديثة عالميًا إلى ملايين الدولارات للمريض الواحد، وهو ما يجعل توفيرها تحديًا اقتصاديًا حتى للدول المتقدمة.
ومن هنا، أكد الدكتور علي الغمراوي، رئيس هيئة الدواء المصرية، أن الهيئة وضعت توفير أدوية الأمراض النادرة على رأس أولوياتها، عبر:
* توسيع إتاحة العلاجات المبتكرة.
* توطين التصنيع المحلي.
* تطوير أنظمة الرقابة والتتبع.
* ضمان استدامة الإمداد الدوائي.
مصر والجينوم.. الاستثمار في الطب الشخصي
ضمن الاستراتيجية المصرية الجديدة، يمثل مشروع الجينوم المصري أحد أهم أدوات المستقبل في التعامل مع الأمراض النادرة، إذ يساعد على:
* اكتشاف الطفرات الوراثية.
* تحسين التشخيص المبكر.
* تطوير الطب الشخصي.
* توجيه العلاج بدقة أكبر لكل مريض.
منظمة الصحة العالمية: مصر تتحرك في الاتجاه الصحيح
أشاد الدكتور نعمة عابد، ممثل منظمة الصحة العالمية في مصر، بالخطوات التي اتخذتها الدولة المصرية في مجال الكشف المبكر وتطوير خدمات التشخيص والرعاية، مؤكدًا استمرار التعاون مع مصر لتحسين جودة حياة المرضى ودعم الاستراتيجيات الوطنية للأمراض النادرة.
كما أكد خبراء دوليون أن بناء السجلات الوطنية ومراكز التميز وبرامج الكشف المبكر يمثل حجر الأساس لأي استراتيجية ناجحة لمواجهة الأمراض النادرة.
لماذا يمثل المنتدى نقطة تحول؟
يرى خبراء الصحة أن إطلاق أول منتدى وطني للأمراض النادرة في مصر يحمل عدة رسائل مهمة:
الاعتراف الرسمي بحجم المشكلة.
الانتقال من التعامل الفردي إلى السياسات الوطنية.
دمج المجتمع المدني مع المؤسسات الحكومية.
تعزيز العدالة الصحية للمرضى.
توسيع فرص البحث العلمي والتصنيع المحلي.
التحدي الحقيقي: ألا يبقى أي مريض “نادرًا” في حقه بالعلاج
ورغم أن المرض قد يكون نادرًا، فإن حق المريض في التشخيص والعلاج والدعم النفسي والاجتماعي لا يجب أن يكون نادرًا أو استثنائيًا.
فالأمراض النادرة لم تعد قضية طبية فقط، بل أصبحت اختبارًا لقدرة الأنظمة الصحية على تحقيق العدالة، وتوفير الرعاية، وحماية الأسر من الانهيار الاقتصادي والنفسي.
ومع إطلاق أول منتدى وطني للأمراض النادرة، تبدو مصر وكأنها تبدأ بالفعل كتابة فصل جديد في هذا الملف، عنوانه: “لا مريض يُترك وحيدًا لأن مرضه نادر”.



