الاعتداء علي الأطباء خط أحمر يهدد الأمن الصحي والمجتمعي

بقلم / أحمد إمام

تُبنى المجتمعات المتحضرة على ركائز أساسية تضمن استقرارها واستمرارها، وتأتي على رأس هذه الركائز منظومة الرعاية الصحية، فالطبيب ليس مجرد موظف يؤدي عملاً روتينياً، بل هو صمام أمان يواجه المرض والموت يومياً لإنقاذ حياة الآخرين..ومع ذلك، طفت على السطح في السنوات الأخيرة ظاهرة مؤسفة ومرفوضة تماماً بكل المقاييس الأخلاقية والقانونية والإنسانية، تمثلت في الاعتداء على الأطباء والكوادر الطبية داخل المنشآت الصحية.

إن جملة “الاعتداء على الأطباء مرفوض” ليست مجرد شعار يُرفع في الأزمات، بل هي ضرورة حتمية لحماية المجتمع بأكمله، حيث لا يمكن تبرير العنف تحت أي ظرف..وغالباً ما تشتعل شرارة هذه الاعتداءات في أقسام الطوارئ نتيجة حالة الذعر والقلق التي تصيب أهالي المرضى، مما يضعهم في حالة نفسية غير مستقرة، يرافقها أحياناً نقص في بعض الإمكانيات الطبية بالمستشفيات وهو أمر لا يد للطبيب فيه، لكنه يجد نفسه في مواجهة مباشرة مع غضب الجمهور، فضلاً عن ضعف الثقافة القانونية والوعي بآليات الشكوى الرسمية، مما يدفع البعض لظن أن أخذ الحق باليد هو الحل الأسرع.

وعندما يتعرض الطبيب للإهانة أو الضرب، لا تقع العقوبة عليه وحده، بل يمتد الأثر فوراً إلى بقية المرضى الذين يُحرمون من الرعاية بسبب توقف العمل أو انهيار الحالة النفسية للفريق الطبي، مما يترتب عليه نتائج وخيمة تدمر البنية التحتية للمنظومة الصحية برمتها. وتؤدي هذه البيئة الطاردة إلى نزيف العقول وهجرة الكفاءات، حيث يشعر الطبيب بانعدام الأمان في وطنه وبيئة عمله، مما يدفع خيرة العلماء للبحث عن فرص هجرة إلى دول توفر لهم الحماية والتقدير.

كما أن استمرار العنف يتسبب في تراجع جودة الخدمة الطبية، فالطبيب الذي يعمل تحت وطأة الخوف والتهديد لا يمكنه التركيز في اتخاذ القرارات الحرجة، مما يرفع نسبة الخطأ غير المقصود، ويجبر الأطباء على اللجوء إلى ما يُعرف بـ “الطب الدفاعي” وتجنب الحالات الحرجة والميؤوس منها خوفاً من لوم الأهل والاعتداء عليهم إذا توفي المريض، مما يحرم مرضى كثيرين من فرصة أخيرة للنجاة.

خارطة طريق للمواجهة والعلاج

إن مواجهة هذه الظاهرة وعلاجها يتطلب تضافر جهود الدولة، والمؤسسات الإعلامية، والمجتمع بأسره عبر مسارات متوازية تبدأ بالتسريع في تشريع قوانين حازمة ومغلظة تعتبر الاعتداء على الطبيب أو المنشأة الطبية جريمة لا يجوز التصالح فيها، وتصنيفها كاعتداء على موظف عام أثناء تأدية وظيفته مع فرض عقوبات بالسجن المشدد وغرامات مالية باهظة.

ويتكامل هذا المسار التشريعي مع تفعيل التأمين الأمني الصارم ودور جهات إنفاذ القانون داخل المستشفيات، وتوفير أفراد أمن مدربين للتعامل مع حالات الشغب في أقسام الطوارئ، ودعم المنشآت بكاميرات مراقبة لتوثيق أي تجاوز.

وفي الوقت نفسه ، يجب أن تلعب وسائل الإعلام دوراً قيادياً في التوعية المجتمعية وإبراز تضحيات الأطباء، وتوعية المواطنين بأن الطبيب يبذل سبباً ولا يضمن الشفاء، فالحياة والموت بيد الله وحده، بالتوازي مع تطوير المنظومة وتدريب الأطباء على مهارات التواصل في الأزمات لامتصاص غضب الأهالي بحرفية.

وأخيرا ..إن الطبيب هو خط الدفاع الأول عن صحة الأمة، والاعتداء عليه هو اعتداء مباشر على حق كل مواطن في بيئة علاجية آمنة، فكرامة الطبيب وأمنه الشخصي ليسا رفاهية، بل هما ركيزتان أساسيتان لضمان استمرار المنظومة الصحية. لقد حان الوقت لنقول بصوت واحد وبتطبيق حازم للقانون إن الاعتداء على الأطباء خط أحمر ومرفوض تماماً، لتبقى المستشفيات دائماً واحات للشفاء والأمان، لا ساحات للخوف والنزاع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top