115 مليار جنيه للمرحلة الثانية ..و«رعاية» يفتتح مستقبل الطب في مصر
لم يعد مشروع التأمين الصحي الشامل مجرد خطة لتطوير الخدمات الطبية أو تحديث البنية التحتية للمستشفيات، بل تحول إلى مشروع وطني متكامل لإعادة صياغة مستقبل الرعاية الصحية في مصر، قائم على أحدث تطبيقات التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، ومدعوم باستثمارات ضخمة تستهدف بناء نظام صحي أكثر كفاءة واستدامة وعدالة.
وبينما تتجه الأنظمة الصحية العالمية إلى توظيف التكنولوجيا في إدارة الخدمات وتحسين جودة الرعاية، تواصل الدولة المصرية تسريع خطواتها نحو بناء منظومة صحية ذكية تضع المواطن في قلب عملية التطوير، وتستند إلى قواعد بيانات رقمية متطورة وملفات طبية إلكترونية موحدة وخدمات علاجية حديثة تتوافق مع المعايير الدولية.
ومع إطلاق المرحلة الثانية من منظومة التأمين الصحي الشامل باستثمارات تتجاوز 115 مليار جنيه، واستعداد الدولة لافتتاح مستشفى «رعاية» الافتراضي كأول مستشفى من نوعه في أفريقيا والأكبر على مستوى الشرق الأوسط، تدخل المنظومة مرحلة جديدة من التوسع والنضج، مدعومة بمؤشرات أداء قوية تؤكد نجاح التجربة خلال مرحلتها الأولى واقترابها من تحقيق مستهدف الدولة بتوفير تغطية صحية شاملة لجميع المواطنين بحلول عام 2032.
وأكد الدكتور أحمد السبكي، رئيس الهيئة العامة للرعاية الصحية والمشرف العام على مشروع التأمين الصحي الشامل، أن المنظومة الجديدة لم تعد مجرد برنامج حكومي لتطوير المستشفيات أو تقديم الخدمات العلاجية، بل أصبحت أداة استراتيجية لبناء الإنسان المصري وتعزيز العدالة الاجتماعية وترسيخ الهوية الطبية الرقمية للدولة.
وأوضح السبكي أن المشروع يمثل أكبر عملية لإعادة هيكلة النظام الصحي المصري في تاريخه الحديث، مشيرًا إلى أن الدولة تعمل وفق رؤية متكاملة تستهدف توفير خدمات صحية عالية الجودة ومستدامة، مع الاعتماد على التكنولوجيا الحديثة والتحول الرقمي باعتبارهما أساس مستقبل الرعاية الصحية.
اقرأ ايضًا: المنيا.. أولى محطات المرحلة الثانية للتأمين الصحي الشامل
115 مليار جنيه للتوسع في المحافظات الجديدة
وكشف السبكي عن دخول المرحلة الثانية من منظومة التأمين الصحي الشامل حيز التنفيذ الفعلي باستثمارات تتجاوز 115 مليار جنيه، تستهدف خدمة نحو 12 مليون مواطن في عدد من المحافظات الجديدة، مؤكدًا أن المشروع يسير وفق الجداول الزمنية المحددة دون أية معوقات تمويلية، بفضل الدعم الحكومي وآليات التمويل المستدام ، وتبدأ المرحلة الجديدة من محافظة المنيا، على أن تمتد تباعًا إلى محافظات مطروح وكفر الشيخ وشمال سيناء ودمياط، مع دراسة ضم محافظة الإسكندرية خلال الفترة المقبلة ، وتشمل الخطة إنشاء 11 مجمعًا طبيًا جديدًا وفق أحدث المواصفات العالمية، إلى جانب تطوير عشرات المستشفيات القائمة ورفع كفاءة 669 وحدة ومركزًا لطب الأسرة، فضلًا عن إضافة 63 مستشفى جديدة لتقديم خدمات الطوارئ والرعاية التخصصية.
«رعاية».. أول مستشفى افتراضي في أفريقيا
وفي واحدة من أبرز خطوات التحول الرقمي داخل القطاع الصحي، كشف رئيس الهيئة عن استعداد مصر لافتتاح مستشفى «رعاية» الافتراضي بمحافظة الإسماعيلية خلال احتفالات 30 يونيو، ليصبح أول مستشفى افتراضي في القارة الأفريقية والأكبر من نوعه في الشرق الأوسط ، وقد حظي ” رعاية ” بإشادة دولية واسعة من وفد مجموعة البنك الدولي برئاسة عثمان ديون، نائب رئيس المجموعة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، الذي وصف المستشفى بأنه نموذج تحولي ملهم يعكس قدرة مصر على قيادة الابتكار الصحي في المنطقة.
وتابع : أن المستشفى يضم بنية تكنولوجية متقدمة تشمل 9 عيادات افتراضية متكاملة، و7 وحدات للطوارئ عن بُعد، و4 وحدات للعناية المركزة الافتراضية، بالإضافة إلى 27 وحدة متخصصة في طب القلب عن بُعد و12 وحدة للأشعة الرقمية، بما يتيح تقديم خدمات صحية متطورة وربط المرضى بكبار الاستشاريين دون قيود جغرافية.

الذكاء الاصطناعي يقود مستقبل الطب المصري
وفي إطار تعزيز التحول الرقمي، أعلن الدكتور أحمد السبكي أن الدولة تعمل حاليًا على إنشاء أول مركز وطني لعلوم البيانات الصحية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في المجال الطبي، مؤكدًا أن البيانات أصبحت الثروة الحقيقية للأنظمة الصحية الحديثة.
وأوضح أن مصر تمتلك حاليًا أكثر من 6.5 مليون سجل صحي إلكتروني موحد، ونحو نصف مليار صورة أشعة مؤرشفة، بالإضافة إلى مئات الملايين من الوصفات الطبية الإلكترونية، وهو ما يتيح بناء نماذج وخوارزميات متقدمة للتنبؤ بالأمراض وتحسين التشخيص ودعم اتخاذ القرار الطبي.
وأشار إلى أن الهيئة العامة للرعاية الصحية تعمل منذ خمس سنوات على مشروع «عقل هيئة الرعاية الصحية»، الذي يضم مجموعة من المساعدات الذكية لدعم التشغيل الطبي والإداري، ومن المقرر إطلاقه قريبًا كأول منتج للمركز الوطني لعلوم البيانات الصحية.
من العلاج إلى الوقاية.. فلسفة جديدة للرعاية الصحية
وقال المشرف على مشروع التأمين الصحي الشامل إن المنظومة الجديدة تتبني فلسفة صحية مختلفة تقوم على الانتقال من مفهوم علاج المرض بعد حدوثه إلى مفهوم الوقاية وإدارة الحالة الصحية للمواطن بشكل مستمر ، ويُعد طب الأسرة حجر الأساس في هذا النموذج، حيث يتولى طبيب الأسرة تنظيم رحلة المريض داخل المنظومة وتوجيهه إلى مستويات الرعاية المختلفة، بما يضمن الاستخدام الأمثل للموارد الصحية ويقلل الضغط على المستشفيات الكبرى ، كما تتوسع المنظومة في خدمات الرعاية المنزلية لكبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة، بالتوازي مع إدخال تقنيات الذكاء الاصطناعي في التشخيص المبكر للأمراض ودعم القرارات الطبية وتحسين جودة الرعاية المقدمة للمواطنين.
15.5 مليون خدمة طبية تؤكد نجاح المرحلة الأولى
وقال الدكتور السبكي إن نتائج المرحلة الأولى من منظومة التأمين الصحي الشامل توضح حجم التطور الذي شهدته خدمات الرعاية الصحية خلال السنوات الماضية، حيث نجحت المجمعات الطبية التابعة للهيئة العامة للرعاية الصحية في تقديم أكثر من 15.5 مليون خدمة طبية وعلاجية بمحافظات بورسعيد والإسماعيلية والأقصر وجنوب سيناء والسويس وأسوان.
وتابع قائلا: وتصدر مجمع الإسماعيلية الطبي قائمة المنشآت الأكثر تقديمًا للخدمات بأكثر من 7 ملايين خدمة طبية، يليه مجمع الشفاء الطبي ببورسعيد بأكثر من 4 ملايين خدمة، ثم مجمع السويس الطبي بنحو 2.8 مليون خدمة، فيما قدم مجمع الأقصر الطبي الدولي نحو 1.5 مليون خدمة، إضافة إلى ما يقرب من نصف مليون خدمة بمجمع الفيروز الطبي بجنوب سيناء ، وتشمل الخدمات المقدمة تخصصات دقيقة ومتقدمة، من بينها جراحات القلب والمخ والأعصاب والقسطرة القلبية والمخية وزراعات الأعضاء وعلاج الأورام والحروق والتجميل، إلى جانب خدمات الأشعة والمعامل والرعاية المركزة والطوارئ.
استثمارات كبرى ومعايير عالمية للجودة
وأكد السبكي أن الدولة استثمرت أكثر من 8 مليارات جنيه في إنشاء وتطوير وتجهيز المجمعات الطبية الكبرى خلال المرحلة الأولى، إلى جانب الاستثمارات الموجهة للبنية التحتية الرقمية والتكنولوجية ، مشددا على أن تشغيل أي منشأة صحية داخل المنظومة لا يتم إلا بعد استيفاء جميع اشتراطات الجودة والاعتماد والجاهزية الفنية والتشغيلية، بما يضمن تقديم خدمات صحية آمنة ومتوافقة مع المعايير الدولية.
وفي هذا الإطار، نجحت العديد من منشآت الهيئة في الحصول على اعتمادات دولية مرموقة، من بينها اعتماد اللجنة الدولية المشتركة لجودة الرعاية الصحية (JCI) لمجمع الإسماعيلية الطبي، واعتماد وحدة السكتة الدماغية من المنظمة العالمية للسكتة الدماغية، فضلًا عن حصول عدد من المنشآت والمعامل الطبية على شهادات جودة دولية متخصصة.
نحو تغطية صحية شاملة بحلول 2032
ويؤكد رئيس هيئة الرعاية الصحية أن استمرار التوسع في المحافظات الجديدة، وتدشين المستشفى الافتراضي، والتوسع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وتعزيز خدمات طب الأسرة والرعاية المنزلية، تقترب مصر من تحقيق هدفها الاستراتيجي المتمثل في توفير تغطية صحية شاملة وآمنة ومستدامة لجميع المواطنين بحلول عام 2032، مؤكدا أن نجاح منظومة التأمين الصحي الشامل لم يعد يقتصر على تطوير الخدمات العلاجية فقط، بل أصبح نموذجًا متكاملًا للعدالة الاجتماعية والتنمية البشرية.



