التقزّم.. تهديد عالمي وصراع مع الزمن

من أفريقيا إلى الشرق الأوسط.. ومصر نموذجًا في المواجهة

بينما يواصل العالم سباقه نحو المستقبل الرقمي والتطور العلمي، ما زال ملايين الأطفال حول العالم يعيشون في معركة يومية من أجل النمو والبقاء. إنه التقزّم، أو ما تسميه منظمة الصحة العالمية “الخطر الصامت” حالة نقص نمو مزمنة تصيب الأطفال بسبب سوء التغذية أو العدوى المتكررة أو ضعف الرعاية في السنوات الأولى من الحياة، وتؤثر في صحتهم وتحصيلهم الدراسي وقدرتهم على العمل مستقبلًا.

أرقام تثير القلق: 148 مليون طفل متقزّم حول العالم

بحسب تقرير اليونيسف ومنظمة الصحة العالمية وبرنامج الأغذية العالمي لعام 2025، هناك أكثر من 148 مليون طفل دون الخامسة يعانون من التقزّم عالميًا، أي ما يعادل طفلًا من كل خمسة أطفال. ورغم انخفاض العدد مقارنة بعام 2012 (200 مليون طفل)، إلا أن وتيرة التراجع بطيئة للغاية، ما يجعل تحقيق هدف التنمية المستدامة بخفض النسبة إلى النصف بحلول 2030 أمرًا مهددًا بالتأجيل.

ويُظهر التقرير أن:

– أعلى معدلات التقزّم توجد في أفريقيا جنوب الصحراء (31%) وجنوب آسيا (28%).

– بعض الدول في شرق آسيا وأمريكا اللاتينية حققت تقدمًا بفضل برامج التغذية المدرسية.

– النزاعات والتغير المناخي والأزمات الاقتصادية كانت عوامل رئيسية في عرقلة التحسن.

وتحذر منظمة الصحة العالمية من أن كل ثلاث ثوانٍ يولد طفل جديد معرض لخطر التقزّم بسبب سوء التغذية خلال الحمل أو السنوات الأولى من العمر.

“عبء مزدوج”: الجوع في الجنوب والسمنة في الشمال

تشير تقارير منظمة الأغذية والزراعة (FAO) إلى أن العالم يعيش اليوم “مفارقة غذائية”. فبينما يعاني أكثر من 735 مليون شخص من الجوع، يسجل العالم المتقدم ارتفاعًا في نسب السمنة وسوء النظام الغذائي. هذا ما يسمى بـ “العبء المزدوج لسوء التغذية” — أطفال لا يحصلون على الغذاء الكافي في الجنوب، وأطفال يحصلون على غذاء غير متوازن في الشمال. وفي الحالتين، النتيجة واحدة: جسد أضعف ومستقبل أقل إنتاجية.

تأثير الجائحة والحروب: ارتباك في السلاسل الغذائية

أدت جائحة كوفيد-19، والحروب التي تلتها — خاصة الحرب الروسية الأوكرانية والنزاعات في السودان وغزة — إلى تعطّل سلاسل إمداد الغذاء وارتفاع أسعار الحبوب والزيوت والمكملات. ووفقًا لتقديرات برنامج الأغذية العالمي، فإن عدد الأطفال المهددين بسوء التغذية ارتفع بنسبة 17% بين 2020 و2024 في بعض الدول منخفضة الدخل.

التقزّم ليس وراثيًا.. بل تنموي بامتياز

توضح منظمة الصحة العالمية أن التقزّم ليس له علاقة بالوراثة، بل هو نتيجة مباشرة للنقص المزمن في العناصر الغذائية، إلى جانب العدوى المتكررة وضعف مياه الشرب والصرف الصحي. ويؤدي ذلك إلى بطء النمو الجسدي وتأخر تطور الجهاز العصبي، مما ينعكس على التحصيل الدراسي والإنتاجية في سن البلوغ. وتقدّر دراسات البنك الدولي أن كل نقطة مئوية في ارتفاع التقزّم تُخفض الناتج المحلي للدولة بنحو 0.2% سنويًا.

مصر.. نموذج عربي في خفض معدلات التقزّم

رغم التحديات الاقتصادية، تُعد مصر من الدول التي نجحت في خفض معدلات التقزّم من 21% إلى 13% خلال أقل من عشر سنوات، وفق بيانات المسح الصحي للأسرة المصرية 2021. ويعزو الخبراء هذا التراجع إلى التدخلات الصحية المتكاملة مثل مبادرة “100 مليون صحة”، و“الألف يوم الذهبية”، وبرنامج التغذية المدرسية.

كما أطلقت الدولة في أبريل 2025 البرنامج القومي للوقاية من التقزّم وسوء التغذية، والذي يستهدف خفض المعدل بنسبة إضافية قدرها 25% بحلول 2030. وأكد الدكتور خالد عبد الغفار، وزير الصحة والسكان، أن “مواجهة التقزّم قضية أمن قومي، لأنها تمس مستقبل القوة البشرية للدولة المصرية.”

شهادات دولية: “نموذج قابل للتطبيق في أفريقيا”

أشادت منظمة الصحة العالمية واليونيسف وبرنامج الأغذية العالمي بالبرنامج المصري، واعتبرته أحد أنجح التجارب الإقليمية في الدمج بين الرعاية الصحية والتعليم والحماية الاجتماعية. كما أدرجت مصر ضمن مجموعة الدول المتقدمة في تقرير التغذية العالمي 2024 لجهودها في دمج برامج الوقاية والتغذية المدرسية ضمن خطط التنمية.

وتقول الدكتورة عبلة الألفي، نائب وزير الصحة لشؤون السكان: “التقزّم ليس مجرد قِصر قامة، بل تأخر في النمو العقلي والإدراكي. حماية الأطفال من التقزّم هي حماية لمستقبل مصر كله.”

التحدي العالمي المستقبلي: التمويل والوقاية المبكرة

تقدّر منظمة الصحة العالمية أن الاستثمار في تغذية الأطفال والأمهات يعود بخمسة أضعاف قيمته على المدى الطويل من خلال خفض تكاليف العلاج وتحسين الإنتاجية. ومع ذلك، تعاني البرامج الوقائية في الدول النامية من نقص التمويل، إذ لا تتجاوز مخصصات التغذية 2% من ميزانيات الصحة العامة.

ويؤكد مدير المكتب الإقليمي للشرق الأوسط في منظمة الصحة العالمية أن “الوقاية تبدأ قبل الولادة… في غذاء الأم ورعايتها الصحية، فكل طفل يُولد بصحة جيدة هو استثمار في اقتصاد بلاده.”

معركة يجب أن تُربح قبل فوات الأوان

التقزّم ليس مرضًا عابرًا، بل مؤشر على عدالة توزيع الغذاء والرعاية والتعليم. وإذا كان العالم قد نجح في تقليص أعداد المتقزّمين بنسبة 25% خلال العقد الماضي، فإن التحدي الأكبر اليوم هو التحرك السريع لتأمين مستقبل 148 مليون طفل ما زالوا يعانون من هذا الخطر الصامت. أما مصر، فتمتلك تجربة رائدة يمكن أن تلهم القارة الأفريقية في معركة بناء الإنسان من أول وجبة في الحياة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top