الرطوبة والتعرق والشواطئ والأندية الرياضية تفتح الطريق أمام الفطريات الجلدية
مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية، تتزايد الشكاوى من مشكلة صحية تبدو بسيطة في ظاهرها لكنها قد تتحول إلى معاناة طويلة إذا أُهملت أو عولجت بطريقة خاطئة. إنها «التينيا» أو العدوى الفطرية الجلدية، التي تعد واحدة من أكثر الأمراض الجلدية انتشارًا خلال أشهر الصيف، خاصة بين الأطفال والمراهقين ورواد الشواطئ والأندية الرياضية.
وفي الوقت الذي ينشغل فيه الملايين بالهروب من حرارة الجو إلى حمامات السباحة والبحر والأنشطة الصيفية المختلفة، تجد الفطريات الجلدية بيئة مثالية للنمو والتكاثر، مستفيدة من الرطوبة المرتفعة والتعرق المستمر وملامسة الأسطح المشتركة، لتتحول إلى ما يشبه «الوباء الصامت» الذي ينتشر بسرعة بين أفراد الأسرة الواحدة أو بين الأطفال في المدارس والنوادي.
وتشير تقديرات طبية دولية إلى أن الفطريات الجلدية السطحية تصيب ما بين 20 و25% من سكان العالم، ما يجعلها من أكثر الأمراض المعدية شيوعًا على مستوى العالم. كما تؤكد دراسات منشورة في دوريات طبية متخصصة أن ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة خلال فصل الصيف يزيد من معدلات الإصابة بالفطريات الجلدية بصورة ملحوظة، خصوصًا في المناطق الحارة والرطبة.
ويؤكد أطباء الجلدية أن عيادات الأمراض الجلدية تشهد خلال أشهر الصيف ارتفاعًا كبيرًا في أعداد المترددين بسبب التينيا بمختلف أنواعها، حيث تمثل نسبة ملحوظة من الحالات التي تحتاج إلى تشخيص وعلاج مستمر لمنع عودة العدوى مرة أخرى.
ما هي التينيا؟
التينيا ليست مرضًا واحدًا، بل مجموعة من العدوى الفطرية التي تسببها أنواع مختلفة من الفطريات المجهرية القادرة على العيش والتغذي على مادة «الكيراتين» الموجودة في الجلد والشعر والأظافر.
وتختلف أنواع التينيا بحسب مكان الإصابة، فهناك تينيا الجسم التي تظهر على هيئة بقع دائرية حمراء متقشرة، وتينيا القدم أو ما يعرف بـ«قدم الرياضي» التي تصيب المنطقة بين أصابع القدمين، وتينيا فروة الرأس التي تؤدي إلى تساقط الشعر في مناطق محددة، بالإضافة إلى تينيا الأظافر التي تتسبب في تغير لون الظفر وزيادة سمكه وتكسره.
كما تعد التينيا الملونة من أكثر الأنواع انتشارًا في فصل الصيف، حيث تظهر على شكل بقع فاتحة أو داكنة اللون في مناطق الظهر والصدر والرقبة، وتصبح أكثر وضوحًا بعد التعرض للشمس نتيجة اختلاف لون الجلد المصاب عن الجلد الطبيعي المحيط به.

لماذا تنتشر في الصيف؟
يوفر فصل الصيف الظروف المثالية لنمو الفطريات، حيث تساعد الحرارة المرتفعة والرطوبة والتعرق المستمر على تكاثرها بصورة أسرع.
وتزداد فرص الإصابة عند ارتداء الملابس الضيقة أو المصنعة من الألياف الصناعية التي تمنع تهوية الجلد، وكذلك عند ارتداء الأحذية المغلقة لفترات طويلة، أو البقاء بملابس السباحة المبللة لساعات بعد الخروج من المياه.
كما تلعب حمامات السباحة العامة وغرف تبديل الملابس والصالات الرياضية دورًا مهمًا في انتقال العدوى، خاصة في حال المشي حافي القدمين أو استخدام الأدوات الشخصية المشتركة.
أعراض لا يجب تجاهلها
تبدأ الإصابة غالبًا بأعراض بسيطة قد لا يلتفت إليها كثيرون، مثل الحكة الخفيفة أو ظهور بقعة صغيرة على الجلد، لكنها سرعان ما تتطور إذا لم يتم التعامل معها بشكل صحيح.
وتشمل أبرز الأعراض ظهور بقع دائرية أو حلقية الشكل ذات حواف حمراء مرتفعة نسبيًا، مع قشور سطحية وحكة تزداد مع التعرق وارتفاع درجات الحرارة.
وفي حالات فروة الرأس قد تظهر مناطق خالية من الشعر مصحوبة بقشور رمادية أو بيضاء، بينما تؤدي تينيا القدم إلى تشققات مؤلمة بين الأصابع ورائحة غير مستحبة نتيجة الالتهاب والرطوبة المستمرة.
كيف تنتقل العدوى؟
تمتلك الفطريات الجلدية قدرة كبيرة على البقاء لفترات طويلة فوق الأسطح المختلفة، وهو ما يجعل انتقالها أمرًا سهلًا للغاية.
وتنتقل العدوى عبر التلامس المباشر مع الشخص المصاب، أو من خلال مشاركة المناشف والملابس والأحذية وأدوات العناية الشخصية.
كما يمكن أن تنتقل من الأرضيات والأسطح الملوثة في حمامات السباحة والنوادي الرياضية، أو من بعض الحيوانات الأليفة المصابة بالفطريات والتي قد لا تظهر عليها أعراض واضحة في كثير من الأحيان.
خطأ شائع يزيد المشكلة
يحذر الأطباء من لجوء بعض المرضى إلى استخدام كريمات تحتوي على الكورتيزون دون استشارة طبية، اعتقادًا بأنها تساعد على اختفاء البقع والحكة بسرعة.
ورغم أن هذه الكريمات قد تقلل الاحمرار مؤقتًا، فإنها تضعف المناعة الموضعية للجلد وتمنح الفطريات فرصة أكبر للانتشار والتغلغل في الطبقات الجلدية، ما يؤدي إلى تفاقم الإصابة وصعوبة علاجها لاحقًا.
العلاج الصحيح
يعتمد علاج التينيا على التشخيص الدقيق لنوع الفطر ومكان الإصابة ومدى انتشارها.
وفي الحالات البسيطة يكفي استخدام مضادات الفطريات الموضعية على هيئة كريمات أو بخاخات أو شامبوهات طبية لفترة يحددها الطبيب.
أما في حالات إصابة فروة الرأس أو الأظافر أو العدوى واسعة الانتشار، فقد يتطلب الأمر استخدام أدوية مضادة للفطريات عن طريق الفم تحت إشراف طبي متخصص.
ويؤكد الخبراء أن العلاج الدوائي وحده لا يكفي، إذ يجب الالتزام بإجراءات النظافة الشخصية وتجفيف الجلد جيدًا وغسل الملابس والمناشف بالماء الساخن لمنع تكرار العدوى.
اقرا ايضًا: اليوم العالمي لسرطان الجلد.. كيف تتحول أشعة الشمس من مصدر للحياة إلى خطر يهدد البشرة؟

خمس قواعد تحميك من التينيا
يشدد المتخصصون على أن الوقاية تظل السلاح الأقوى لمواجهة الفطريات الجلدية خلال الصيف، وذلك من خلال:
* تجفيف الجسم جيدًا بعد الاستحمام أو السباحة.
* عدم مشاركة المناشف أو الملابس أو الأحذية مع الآخرين.
* ارتداء أحذية واقية في حمامات السباحة والأماكن العامة.
* اختيار الملابس القطنية التي تسمح بتهوية الجلد.
* متابعة الحيوانات الأليفة وعلاجها عند ظهور أي إصابات جلدية.
وفي النهاية، ورغم أن التينيا ليست من الأمراض الخطيرة، فإن تجاهلها أو علاجها بطريقة خاطئة قد يحولها إلى مشكلة مزمنة يصعب التخلص منها. ومع ارتفاع درجات الحرارة وزيادة الرطوبة خلال أشهر الصيف، يبقى الوعي الصحي والالتزام بقواعد النظافة الشخصية خط الدفاع الأول للوقاية من هذا العدو الخفي الذي يستغل أبسط الثغرات ليجد طريقه إلى الجلد.



