الحياة على المرتفعات قد تقلل خطر السكري

كشفت دراسة علمية حديثة نُشرت في مجلة Cell Metabolism عن ارتباط لافت بين العيش في المرتفعات العالية وانخفاض معدلات الإصابة بمرض السكري، في اكتشاف يسلّط الضوء على دور انخفاض الأكسجين في إعادة برمجة استهلاك الجسم للجلوكوز، ويفتح الباب أمام استراتيجيات علاجية مبتكرة.

السكري.. عبء عالمي متصاعد

يُعد داء السكري من أكثر الأمراض المزمنة انتشارًا عالميًا؛ إذ تشير تقديرات International Diabetes Federation لعام 2023 إلى أن نحو 537 مليون بالغ حول العالم يعيشون مع المرض، مع توقعات بارتفاع العدد إلى 643 مليونًا بحلول عام 2030. كما تؤكد World Health Organization أن السكري يتسبب في ملايين الوفيات سنويًا نتيجة مضاعفاته القلبية والكلوية والوعائية.

في هذا السياق، يكتسب أي اكتشاف يساهم في فهم آليات تنظيم سكر الدم أهمية خاصة.

ماذا يحدث في المرتفعات؟

أوضحت الدراسة أن انخفاض مستويات الأكسجين — كما هو الحال في المناطق الجبلية المرتفعة — يدفع الجسم إلى تكيّفات فسيولوجية غير متوقعة. ففي هذه الظروف، تتحول خلايا الدم الحمراء إلى ما يشبه “إسفنج الجلوكوز”، حيث تزداد قدرتها على امتصاص السكر من مجرى الدم واستخدامه كمصدر طاقة إضافي لتعزيز نقل الأكسجين إلى الأنسجة.

وتبيّن في التجارب المعملية أن الفئران التي تعرضت لهواء منخفض الأكسجين شهدت انخفاضًا ملحوظًا في مستويات سكر الدم بعد تناول الطعام، مقارنة بتلك التي تنفست هواءً عاديًا. اللافت أن الباحثين لم يجدوا تفسيرًا لذلك في العضلات أو الكبد أو الدماغ، قبل أن يتوصلوا إلى أن خلايا الدم الحمراء نفسها تقوم بدور “بالوعة الجلوكوز” — أي تمتص كميات كبيرة منه بسرعة.

تطوير دواء يحاكي تأثير المرتفعات

استنادًا إلى هذه النتائج، طوّر الباحثون عقارًا تجريبيًا يحمل اسم “هايبوكسيستات”، يعمل على محاكاة تأثير نقص الأكسجين دون الحاجة إلى تغيير بيئة المريض.

وأظهرت التجارب على الفئران المصابة بالسكري أن الدواء نجح في خفض مستويات السكر في الدم بشكل ملحوظ، بل وتفوق في بعض المؤشرات على أدوية مستخدمة حاليًا في النماذج الحيوانية.

وتعليقًا على النتائج، أوضح فريق البحث أن هذه المقاربة العلاجية تختلف جذريًا عن الأدوية التقليدية التي تركز على البنكرياس أو مقاومة الإنسولين، إذ تستهدف هذه الآلية خلايا الدم الحمراء نفسها كوسيلة لتصريف الجلوكوز من الدم.

أدلة وبائية داعمة

تتوافق هذه النتائج مع ملاحظات وبائية سابقة أظهرت أن معدلات السكري والسمنة أقل نسبيًا بين بعض سكان المناطق المرتفعة في أميركا اللاتينية وآسيا، مقارنة بمناطق منخفضة الارتفاع، حتى بعد ضبط العوامل المرتبطة بنمط الحياة. وتشير أبحاث منشورة في دوريات الغدد الصماء إلى أن التعرض المزمن لنقص الأكسجين قد يحسن حساسية الإنسولين ويزيد استهلاك الجلوكوز في الأنسجة.

آفاق مستقبلية

رغم أن النتائج الحالية ما تزال في إطار الدراسات الحيوانية، فإنها تقدم تصورًا جديدًا لكيفية تنظيم سكر الدم، وقد تمهد لتطوير فئة دوائية تعتمد على “إعادة توظيف” خلايا الدم الحمراء في علاج السكري من النوع الثاني.

ويؤكد الباحثون أن الانتقال إلى التجارب السريرية على البشر يتطلب مزيدًا من الدراسات لضمان الأمان والفعالية، خاصة أن التلاعب بمسارات الأكسجين في الجسم قد تكون له آثار جانبية محتملة.

خلاصة: بوابة مصر الصحية

تكشف الدراسة عن بعدٍ غير متوقع في فهم السكري: البيئة ونسبة الأكسجين قد تؤثران مباشرة في آليات ضبط سكر الدم. وبينما لا يمكن اعتبار العيش في المرتفعات علاجًا بحد ذاته، فإن محاكاة هذه الظروف دوائيًا قد تمثل مسارًا علاجيًا واعدًا في مواجهة أحد أكثر الأمراض المزمنة انتشارًا في العالم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top