بعد تحسن الأعراض الحركية لدى مرضى في تجربة سريرية.. موافقة يابانية مشروطة على علاج يستهدف تعويض الخلايا العصبية التالفة
هل يمكن أن يأتي اليوم الذي لا يقتصر فيه علاج مرض باركنسون على تخفيف الرعشة وبطء الحركة، بل يمتد إلى تعويض الخلايا العصبية التي فقدها المخ بسبب المرض؟
هذا السؤال، الذي ظل لعقود أحد أكبر التحديات أمام علماء الأعصاب، بات أقرب إلى الاختبار في الممارسة الطبية، بعدما منحت اليابان في مارس 2026 موافقة مشروطة على علاج مبتكر يعتمد على خلايا مشتقة من الخلايا الجذعية، استنادًا إلى تجربة سريرية أجراها باحثون في جامعة كيوتو، وأظهرت نتائج مشجعة بشأن السلامة وتحسن الوظائف الحركية لدى عدد من المرضى.
ويمثل التطور الياباني خطوة مهمة في مسار الطب التجديدي، ليس لأنه يقدم علاجًا نهائيًا لمرض باركنسون، ولكن لأنه يستهدف أحد التغيرات الأساسية المرتبطة بالمرض، وهو فقدان الخلايا العصبية المنتجة لمادة الدوبامين.
ونُشرت نتائج التجربة في مجلة Nature في 16 أبريل 2025، قبل أن تعلن جامعة كيوتو في 6 مارس 2026 حصول العلاج على موافقة تنظيمية مشروطة ومحددة المدة، تمهد لاستخدامه بصورة محدودة مع استمرار تقييم فعاليته وسلامته على المدى الطويل.
من السيطرة على الأعراض إلى تعويض الخلايا العصبية
يعد مرض باركنسون، المعروف أيضًا بالشلل الرعاش، أحد الأمراض العصبية التنكسية التي تتطور تدريجيًا نتيجة فقدان خلايا عصبية مسؤولة عن إنتاج الدوبامين، خاصة في مناطق من المخ تشارك في تنظيم الحركة.
ويؤدي نقص الدوبامين إلى ظهور أعراض تشمل الرعشة، وتيبس العضلات، وبطء الحركة، واضطرابات التوازن والمشي، فضلًا عن أعراض غير حركية قد تؤثر في النوم والمزاج والوظائف اليومية.
وتعتمد العلاجات الدوائية التقليدية، وفي مقدمتها ليفودوبا، على تعويض نقص الدوبامين وظيفيًا أو تحسين تأثيره داخل المخ، ما يساعد في السيطرة على الأعراض، لكنه لا يعيد بصورة مباشرة بناء الخلايا العصبية التي فُقدت بسبب المرض.
أما العلاج الياباني الجديد فيتبنى استراتيجية مختلفة؛ إذ يسعى إلى زرع خلايا عصبية أولية قادرة على التطور إلى خلايا منتجة للدوبامين داخل المخ، بما قد يساعد على استعادة جزء من الوظائف العصبية المتضررة.
وهنا تكمن أهمية التجربة: الانتقال من التعامل مع نقص المادة الكيميائية إلى محاولة تعويض بعض الخلايا المسؤولة عن إنتاجها.
كيف استخدم العلماء الخلايا الجذعية لعلاج المرضى؟
اعتمد باحثو جامعة كيوتو على ما يعرف بالخلايا الجذعية المستحثة متعددة القدرات، أو iPS cells، وهي خلايا يمكن إنتاجها بإعادة برمجة خلايا بشرية بالغة لتكتسب القدرة على التطور إلى أنواع مختلفة من الخلايا.
واستخدم الفريق خلايا مشتقة من متبرع سليم، ثم وجّهها معمليًا لتكوين خلايا أولية عصبية متخصصة في المسار المنتج للدوبامين.
وبعد إعدادها وفق متطلبات التصنيع الطبي، زُرعت هذه الخلايا جراحيًا في منطقة تُعرف باسم «البطامة» (Putamen)، وهي جزء من الدوائر العصبية التي تشارك في التحكم بالحركة.
وشملت التجربة سبعة مرضى تتراوح أعمارهم بين 50 و69 عامًا، خضعوا لزراعة الخلايا في جانبي المخ، مع اختلاف الجرعة المستخدمة بين مجموعتين.
وتلقى ثلاثة مرضى جرعة تراوحت بين 2.1 و2.6 مليون خلية في كل جانب من المخ، بينما تلقى أربعة مرضى جرعة أعلى تراوحت بين 5.3 و5.5 مليون خلية لكل جانب.
وبذلك بلغت الجرعة الإجمالية التقريبية نحو 4.2 إلى 5.2 مليون خلية في المجموعة الأولى، ونحو 10.6 إلى 11 مليون خلية في المجموعة الثانية.
واستمرت متابعة المشاركين لمدة 24 شهرًا، باستخدام التقييمات العصبية والتصوير بالرنين المغناطيسي والتصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني، لمراقبة سلامة الخلايا المزروعة وتأثيرها المحتمل على الوظائف الحركية.
تحسن الحركة لدى المرضى.. ماذا كشفت النتائج؟
أظهرت الدراسة تحسنًا في عدد من المؤشرات الحركية لدى المشاركين، وإن اختلف حجم التحسن من مريض إلى آخر.
فمن بين ستة مرضى شملهم تحليل الفعالية، سجل أربعة تحسنًا في التقييم الحركي عند عدم تأثير الأدوية المضادة لباركنسون، بينما سجل خمسة تحسنًا عند تقييم الحركة أثناء تأثير العلاج الدوائي.
كما أظهرت النتائج تحسنًا في تصنيف شدة المرض لدى أربعة مرضى، وفق مقياس «هوين ويار» المستخدم لتقييم تطور الأعراض الحركية.
وعلى مستوى المجموعة، بلغ متوسط التحسن في أحد مقاييس الوظائف الحركية نحو 20.4% في حالة عدم تأثير الدواء، بينما بلغ التحسن في التقييم أثناء تأثير الدواء نحو 35.7%.
ولا تعني هذه النسب شفاء المرضى أو اختفاء أعراض باركنسون، وإنما تعكس تغيرًا في درجات مقاييس سريرية محددة خلال فترة المتابعة.
هل نجحت الخلايا المزروعة في إنتاج الدوبامين؟
لم يقتصر التقييم على متابعة الأعراض الظاهرة، بل استخدم الباحثون التصوير الوظيفي للمخ للتحقق من وجود مؤشرات على نشاط الخلايا المزروعة.
وأظهرت فحوص التصوير باستخدام مادة 18F-DOPA زيادة في أحد مؤشرات تصنيع الدوبامين بمنطقة البطامة بلغت في المتوسط نحو 44.7%، مع ارتفاع أكبر في المجموعة التي تلقت الجرعة الأعلى من الخلايا.
وتدعم هذه النتائج احتمال بقاء الخلايا المزروعة واكتسابها وظيفة مرتبطة بإنتاج الدوبامين، وهو أحد الأهداف الأساسية للعلاج.
لكن إثبات النشاط الوظيفي للخلايا لا يعني بالضرورة استعادة جميع الوظائف العصبية المتضررة، كما لا يكفي وحده للحكم على استمرار الفائدة العلاجية لسنوات طويلة.
ماذا عن سلامة زرع الخلايا داخل المخ؟
كان الهدف الأساسي للتجربة، التي جمعت بين المرحلتين الأولى والثانية، تقييم سلامة العلاج، خاصة المخاوف المرتبطة باستخدام الخلايا الجذعية، مثل النمو غير المنضبط للخلايا أو تكوّن أورام أو حدوث تفاعلات مناعية.
وخلال المتابعة التي استمرت عامين، لم يسجل الباحثون أحداثًا ضارة خطيرة، كما لم تظهر فحوص الرنين المغناطيسي نموًا ورميًا للخلايا المزروعة.
ومع ذلك، سجلت الدراسة 73 حدثًا ضارًا تراوحت شدتها بين البسيطة والمتوسطة، وهو تفصيل مهم عند تفسير نتائج السلامة، لأن عدم تسجيل أحداث خطيرة لا يعني غياب الآثار الجانبية تمامًا.
وتلقى المشاركون أيضًا علاجًا مثبطًا للمناعة باستخدام تاكروليموس لتقليل احتمالات رفض الخلايا المزروعة، قبل تخفيض جرعته تدريجيًا وإيقافه بعد 15 شهرًا.
وتشير هذه الإجراءات إلى أن العلاج ليس حقنة بسيطة من الخلايا الجذعية، وإنما تدخل طبي معقد يتطلب جراحة دقيقة ومتابعة عصبية ومناعية متخصصة.
مارس 2026.. اليابان تنتقل من التجربة إلى الموافقة المشروطة
جاء التحول الأبرز في 6 مارس 2026، عندما أعلنت جامعة كيوتو حصول العلاج الخلوي المعروف تجاريًا باسم «أمشيبري» (Amchepry)، واسمه العلمي «راغنيبروسيل» (Raguneprocel)، على موافقة يابانية مشروطة ومحددة المدة.
ويعتمد العلاج على خلايا عصبية أولية منتجة للدوبامين مشتقة من خلايا جذعية مستحثة متعددة القدرات، طورتها شركة سوميتومو فارما بالتعاون مع شركائها استنادًا إلى نتائج الأبحاث السريرية في جامعة كيوتو.
وتعني الموافقة المشروطة أن السلطات التنظيمية سمحت بالانتقال إلى مرحلة الاستخدام السريري المحدود وفق ضوابط محددة، مع استمرار جمع الأدلة المتعلقة بالفعالية والسلامة.
وبالتالي، فإن القرار لا يمثل موافقة نهائية غير مقيدة، ولا يعني أن العلاج أصبح متاحًا لجميع مرضى باركنسون أو أنه أثبت القدرة على إيقاف المرض بصورة دائمة.
وتؤكد جامعة كيوتو أن المرحلة التالية ستشمل التقييم طويل المدى للنتائج في الممارسة الطبية، قبل استخلاص أحكام أكثر حسمًا بشأن الفائدة العلاجية المستدامة.
هل أصبح الشفاء من باركنسون ممكنًا؟
رغم الأهمية العلمية للتجربة، فإن الإجابة لا تزال تتطلب الحذر.
فالدراسة شملت سبعة مرضى فقط، وكان تقييم الفعالية قائمًا على ستة منهم، كما أنها تجربة مفتوحة لم تتضمن مجموعة مقارنة عشوائية تتلقى علاجًا وهميًا أو رعاية بديلة.
ولهذا، لا يمكن استبعاد تأثير بعض العوامل الأخرى على التحسن المسجل، ولا تعميم النتائج على جميع مرضى باركنسون بمراحله المختلفة.
كذلك، فإن تعويض الخلايا المنتجة للدوبامين قد يحسن بعض الأعراض الحركية، لكنه لا يعالج بالضرورة جميع التغيرات العصبية المعقدة المرتبطة بالمرض، ولا سيما الأعراض غير الحركية أو الآليات المسؤولة عن استمرار التنكس العصبي.
وتبقى أسئلة أساسية بحاجة إلى إجابات: إلى متى تستمر الخلايا المزروعة في أداء وظيفتها؟ وهل تتراجع الحاجة إلى الأدوية مع مرور الوقت؟ وما مدى سلامة العلاج بعد خمس أو عشر سنوات؟ وأي المرضى يمكن أن يستفيدوا منه أكثر من غيرهم؟
بداية مرحلة جديدة في الطب التجديدي
تمثل التجربة اليابانية نقطة تحول في محاولات تطوير علاجات خلوية للأمراض العصبية، لأنها تجمع بين القدرة على إنتاج خلايا عصبية متخصصة في المختبر، وزراعتها داخل المخ، ومتابعة نشاطها ووظائفها لدى المرضى.
كما أن حصول العلاج على موافقة مشروطة يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التقييم السريري، يمكن أن تحدد مدى قابلية هذا النهج للتوسع مستقبلًا.
لكن القيمة الحقيقية لهذا التطور لا تكمن في إعلان الانتصار على مرض باركنسون، بل في الاقتراب من اختبار علاج يستهدف تعويض الخلايا المتضررة، بدلًا من الاكتفاء بالتعامل مع النتائج الوظيفية لفقدانها.
وبين نتائج التجارب الأولى وآمال المرضى، تبدو الرسالة العلمية واضحة: الطب التجديدي يفتح مسارًا علاجيًا واعدًا لباركنسون، لكن إثبات الفاعلية المستدامة والسلامة طويلة المدى سيظل الاختبار الحاسم قبل اعتباره تحولًا راسخًا في علاج المرض.



