خلف الأعراض الجسدية الشهيرة لانقطاع الطمث، تختبئ أزمة نفسية حادة وقليل من الوعي. تشير أحدث البيانات الصادرة في عام 2026 إلى أن العالم يواجه “فجوة معرفية” خطيرة؛ حيث تدرك 28% فقط من النساء في المملكة المتحدة وأوروبا أن اضطرابات الهرمونات في هذه المرحلة قد تكون الشرارة الأولى لأمراض نفسية مزمنة مثل الاكتئاب الحاد والقلق.
ما قبل الانقطاع
تبدأ المعاناة الحقيقية غالباً في مرحلة “ما قبل انقطاع الطمث” (Perimenopause)، وهي الفترة الانتقالية التي قد تبدأ في منتصف الثلاثينيات أو مطلع الأربعينيات. في هذه المرحلة، تتذبذب مستويات الإستروجين والبروجستيرون بشكل غير متوقع، مما يؤدي إلى تغيرات مزاجية حادة تُشخص خطأً في كثير من الأحيان على أنها اكتئاب سريري ناتج عن ضغوط العمل أو التربية، بينما السبب الحقيقي هو “عاصفة هرمونية” تستوجب علاجاً تعويضياً لا مضادات اكتئاب فحسب.
أرقام صادمة
كشفت الدراسات السريرية الحديثة، ومنها دراسة جامعة “ليفربول جون مورس” المنشورة هذا العام، عن حقائق تستوجب الاستنفار الصحي:
• خطر الانتحار: امرأة واحدة من بين كل 6 نساء (16.6%) تعاني من أفكار انتحارية خلال مرحلة التحول الهرموني، وغالباً ما تُهمل هذه الأفكار لعدم وجود أدوات تقييم طبي تأخذ العامل الهرموني بعين الاعتبار.
• الاكتئاب الحاد: ترفع مرحلة ما قبل الانقطاع خطر الإصابة الأولى بالاكتئاب بنسبة 30%، وتزيد من نوبات الهوس لدى المصابات باضطراب ثنائي القطب.
• الانتشار الأوروبي: 55% من النساء في أوروبا يبلغن عن أعراض نفسية، بينما تصل النسبة في السويد إلى 60% يعانين من أعراض متوسطة إلى شديدة.

التمييز في أماكن العمل.. ضريبة الصمت
لا تتوقف المعاناة عند الجانب الصحي، بل تمتد للمستقبل المهني. أظهرت دراسة دولية أجرتها شركة “Astellas Pharma” في عام 2025 شملت 13,800 موظف، أن:
واحدة من كل 12 امرأة تعرضت للتمييز الوظيفي بسبب أعراض انقطاع الطمث.
17% من النساء سجلن تراجعاً في الإنتاجية بسبب الأعراض النفسية والجسدية.
76% من الموظفات لا يشعرن بالارتياح عند مناقشة حالتهن الصحية مع المدير المباشر خوفاً من الوصمة أو “التقليل من الشأن”.
نحو ثورة في الوعي والتشخيص
تقول بوجا سايني، أستاذة الوقاية من الانتحار: “يتم تقييم النساء بأدوات لا تعكس المحركات الهرمونية، مما يترك ثغرات خطيرة في الرعاية”. ومن هنا انطلقت مبادرات تكنولوجية مثل تطبيق “Menotracker” الذي يدعم 61 لغة، لتمكين النساء من تتبع أعراضهن وتقديم تقارير دقيقة للأطباء، لردم الفجوة التي خلفها استبعاد النساء من التجارب السريرية لعقود طويلة.
توصيات “بوابة مصر الصحية” للسياسات العامة:
بناءً على تقرير الكلية الملكية للأطباء النفسيين، نحث الجهات الصحية على:
1. التدريب الإلزامي: إدراج مادة انقطاع الطمث والصحة النفسية في كافة برامج التدريب الطبي.
2. بيئة عمل صديقة: وضع سياسات مؤسسية تضمن المرونة والدعم النفسي للموظفات في هذه المرحلة.
3. إزالة الوصمة: خلق ثقافة مجتمعية تتيح مناقشة التغيرات الهرمونية كحدث طبيعي لا كـ “مرض” أو “ضعف”.



