هل ما زال العالم يدفع ثمن «النينيو الفائقة» وأزمة المناخ؟
لم تعد موجات الحر والأمطار الغزيرة والظواهر الجوية المتطرفة أحداثًا استثنائية، بل أصبحت جزءًا متكررًا من المشهد المناخي العالمي. وبينما لا تزال تداعيات ظاهرة «النينيو الفائقة» التي ضربت العالم خلال العامين الماضيين تلقي بظلالها على أنظمة الطقس، سجلت المملكة المتحدة واحدة من أكثر السنوات دفئًا في تاريخها الحديث، في مؤشر جديد على تسارع أزمة تغير المناخ.
وأعلنت هيئة الأرصاد الجوية البريطانية أن ربيع عام 2026 أصبح الأكثر حرارة منذ بدء تسجيل البيانات المناخية عام 1884، بعدما شهدت البلاد درجات حرارة غير مسبوقة خلال أشهر مارس وأبريل ومايو، وسط تحذيرات من أن الصيف المقبل قد يحمل موجات حر أشد قسوة.
ربيع استثنائي وأرقام قياسية
شهدت بريطانيا خلال الأيام الأخيرة من مايو موجة حر مبكرة دفعت درجات الحرارة إلى تجاوز 30 درجة مئوية لعدة أيام متتالية في بعض المناطق، وهو أمر كان يُعد نادر الحدوث في هذا الوقت من العام.
ووفق البيانات الرسمية، جاء شهر مارس ضمن أكثر عشرة أشهر مارس دفئًا على الإطلاق، بينما احتل أبريل المرتبة السابعة بين أكثر الأشهر حرارة، وسجل مايو المرتبة الثالثة تاريخيًا، ما جعل ربيع 2026 يتصدر قائمة أكثر فصول الربيع حرارة منذ أكثر من قرن.
ويرى خبراء المناخ أن هذه الأرقام لا يمكن تفسيرها بالتقلبات الجوية الطبيعية فقط، بل تعكس الاتجاه المستمر لارتفاع درجات الحرارة العالمية الناتج عن تراكم غازات الاحتباس الحراري في الغلاف الجوي.
النينيو.. الشرارة التي أشعلت حرارة الكوكب
يؤكد علماء المناخ أن العالم لا يزال يتأثر بظاهرة «النينيو الفائقة» التي بلغت ذروتها خلال عامي 2024 و2025، وهي ظاهرة مناخية طبيعية تؤدي إلى ارتفاع حرارة المياه السطحية في المحيط الهادئ الاستوائي، ما يؤثر على أنماط الطقس عالميًا.
وخلال فترة النينيو الأخيرة، سجل العالم أرقامًا قياسية متتالية في درجات الحرارة العالمية، لتصبح الأعوام الأخيرة من بين الأشد حرارة منذ بدء القياسات المناخية.
لكن الخبراء يشددون على أن النينيو وحدها ليست السبب، إذ تعمل الظاهرة فوق أساس من الاحترار العالمي المستمر الناتج عن الأنشطة البشرية، ما يجعل تأثيراتها أكثر حدة واستمرارًا.
أوروبا في قلب الأزمة
ما يحدث في المملكة المتحدة ليس حالة منفردة، إذ شهدت أوروبا خلال السنوات الأخيرة سلسلة من الظواهر المناخية القاسية، شملت موجات حر تاريخية وحرائق غابات مدمرة وجفافًا غير مسبوق وفيضانات قاتلة.
وتحذر المؤسسات المناخية الأوروبية من أن القارة تعد من أسرع مناطق العالم ارتفاعًا في درجات الحرارة، حيث ترتفع حرارة أوروبا بمعدل يفوق المتوسط العالمي.
وتشير الدراسات الحديثة إلى أن موجات الحر التي كانت تحدث مرة كل 50 عامًا أصبحت أكثر تكرارًا وشدة نتيجة التغير المناخي.
حرارة وجفاف ثم أمطار وعواصف
المفارقة أن ارتفاع درجات الحرارة لم يكن الظاهرة الوحيدة هذا الربيع في بريطانيا، فقد تراجعت معدلات الأمطار بنحو 14% مقارنة بالمعدلات الطبيعية طويلة الأجل، ما زاد من مخاوف الجفاف في بعض المناطق.
لكن مع بداية يونيو، تغير المشهد سريعًا، وعادت الأمطار والعواصف الرعدية لتضرب أجزاء واسعة من البلاد، في نموذج يعكس أحد أبرز آثار التغير المناخي: الانتقال السريع بين النقيضين.
ويؤكد العلماء أن الاحترار العالمي لا يعني فقط ارتفاع درجات الحرارة، بل يؤدي أيضًا إلى اضطراب أنماط الطقس وزيادة احتمالات الظواهر المتطرفة، سواء كانت موجات حر أو أمطارًا غزيرة أو عواصف شديدة.
ماذا ينتظر العالم هذا الصيف؟
تشير توقعات الأرصاد البريطانية إلى احتمال عودة الأجواء الحارة خلال النصف الثاني من يونيو، مع ارتفاع فرص حدوث أمطار غزيرة وعواصف رعدية محلية.
ويرى خبراء المناخ أن صيف 2026 قد يكون اختبارًا جديدًا لقدرة الدول على التكيف مع الظواهر الجوية المتطرفة، خاصة في ظل استمرار تسجيل درجات حرارة عالمية مرتفعة.
أزمة عالمية تتجاوز الطقس
لم تعد قضية المناخ مرتبطة بالبيئة فقط، بل أصبحت قضية صحية واقتصادية وأمنية في المقام الأول. فموجات الحر تؤدي إلى زيادة الوفيات المرتبطة بأمراض القلب والجهاز التنفسي، وتؤثر على الإنتاج الزراعي، وترفع استهلاك الطاقة، وتزيد من مخاطر حرائق الغابات والجفاف.
كما تحذر الأمم المتحدة من أن استمرار ارتفاع درجات الحرارة العالمية قد يؤدي إلى خسائر اقتصادية ضخمة ونزوح ملايين الأشخاص بسبب الكوارث المناخية خلال العقود المقبلة.
اقرأ ايضًا: مصر تدعو من جنيف لدمج الصحة في أجندة المناخ العالمية وتعزيز تمويل النظم الصحية
رسالة التحذير الأوضح
ما تشهده المملكة المتحدة اليوم يبعث برسالة واضحة مفادها أن تغير المناخ لم يعد تهديدًا مستقبليًا، بل واقعًا حاضرًا يغير ملامح الفصول وأنماط الطقس في مختلف أنحاء العالم.
وبينما تستمر آثار «النينيو الفائقة» في الظهور، يؤكد العلماء أن العامل الحاسم يبقى الاحترار العالمي الناتج عن النشاط البشري، وأن الحد من الانبعاثات والتكيف مع المتغيرات المناخية أصبحا ضرورة ملحة وليسا خيارًا مؤجلًا، إذا أراد العالم تجنب مزيد من الظواهر الجوية القياسية في السنوات المقبلة.



