بقلم: رجاء ناجي
بهدوء، في واقعة أثارت جدلًا واسعًا، وجدت طبيبة شابة نفسها في قلب عاصفة من الانتقادات، بعد أن تم تصويرها داخل مكان عملها أثناء مشادة مع إحدى المريضات، لتنتشر الواقعة سريعًا على مواقع التواصل الاجتماعي، وتتحول من موقف فردي إلى قضية رأي عام.
بعيدًا عن إدانة طرف أو تبرئة آخر، فإن ما حدث يفتح بابًا مهمًا للنقاش: هل أصبحت العلاقة بين الطبيب والمريض في حاجة لإعادة تعريف؟
الطب في جوهره رسالة إنسانية، تقوم على الثقة والاحترام المتبادل، لكن هذه العلاقة لم تعد كما كانت. الضغوط التي يتعرض لها الأطباء، خاصة في المستشفيات المزدحمة، باتت هائلة، في مقابل توقعات مرتفعة من المرضى، الذين يأتون محمّلين بالخوف والقلق وربما الغضب.
اقرأ ايضًا: بهدوء: الأمان الصحي.. رصيف نحتمي به من “جنون اليأس”
في هذا المشهد المعقد، قد تنفلت لحظة توتر، تتحول إلى أزمة، خاصة في ظل ثقافة التصوير الفوري، التي تنقل أي خطأ إلى المجال العام في ثوانٍ، دون سياق أو فهم كامل للظروف.
لكن الحقيقة الأهم، أن مثل هذه الوقائع تكشف خللًا أعمق، يتجاوز الأشخاص إلى المنظومة نفسها.
نحن بحاجة إلى إعادة تقييم العلاقة بين الطبيب والمريض، على أساس واضح من الحقوق والواجبات. للمريض حق في الاحترام، والشرح، والرعاية الآمنة، وللطبيب أيضًا حق في بيئة عمل آمنة، خالية من التعدي اللفظي أو الجسدي، ومحاطة بالحماية القانونية.
كما أن الواقع يفرض ضرورة تأهيل الأطباء، خاصة الشباب، للتعامل مع ضغوط العمل اليومية. فالمهارة الطبية وحدها لا تكفي، بل يجب أن يصاحبها تدريب على إدارة التوتر، والتواصل الفعّال، واحتواء المواقف الصعبة.
الطبيب الشاب اليوم يعمل في ظروف ليست سهلة، بين ضغط الأعداد، وقلة الموارد أحيانًا، وتوقعات لا ترحم. ومن دون دعم نفسي وتدريب حقيقي، قد تتحول لحظة انفعال إلى خطأ يُحسب عليه طوال حياته المهنية.
وفي المقابل، يحتاج المجتمع أيضًا إلى إعادة ترسيخ ثقافة احترام الفريق الطبي، والتفريق بين الخطأ المهني الذي يُحاسب عليه القانون، وبين الضغوط الإنسانية التي قد يقع تحتها أي إنسان.
الحل ليس في اللوم المتبادل، بل في بناء علاقة أكثر توازنًا وعدالة، تحمي الطرفين، وتعيد للمنظومة الصحية إنسانيتها.
في النهاية، لا يمكن أن تستقيم خدمة طبية جيدة، دون علاقة صحية بين الطبيب والمريض… علاقة قائمة على الثقة، لا التوتر، وعلى الفهم، لا الاتهام.
اقرأ ايضًا: الأمان الصحي.. «قشة» الطبقة الوسطى
دمتم واعين.. دمتم بصحة.


