موجات الحر وتلوث الهواء واضطرابات النوم تهدد الجهاز العصبي.. وخبراء يحذرون من تفاقم المخاطر لدى كبار السن والفئات الأكثر فقرًا
لم تعد تداعيات تغير المناخ تقتصر على ارتفاع درجات الحرارة والظواهر الجوية المتطرفة وتدهور البيئة، بل امتدت لتطرح تهديدات متزايدة لصحة الإنسان، وفي مقدمتها صحة الدماغ والجهاز العصبي، وسط تحذيرات علمية من أن استمرار الاحترار العالمي قد يؤدي إلى تفاقم الأمراض العصبية، وزيادة معدلات السكتات الدماغية، واضطرابات النوم، وربما تسريع التدهور المعرفي لدى الفئات الأكثر عرضة للخطر.
وتشير أبحاث علمية حديثة إلى أن التعرض المتكرر لموجات الحر الشديدة، وتلوث الهواء، والضوضاء، وتراجع المساحات الخضراء، قد يرتبط بتدهور صحة الدماغ، سواء من خلال التأثيرات المباشرة للحرارة على الأوعية الدموية والجهاز العصبي، أو بصورة غير مباشرة عبر اضطرابات النوم والالتهابات والضغوط البيئية المستمرة.
وفي تقرير نشرته شبكة «يورونيوز» في 14 أكتوبر 2026، حذر خبراء في طب الأعصاب من أن التغيرات المناخية المتسارعة في أوروبا قد تضيف أعباء صحية واقتصادية جديدة إلى منظومات الرعاية الصحية، خصوصًا مع تزايد أعداد كبار السن وانتشار الأمراض المزمنة، ما يستدعي إدراج حماية صحة الدماغ ضمن السياسات الصحية والمناخية خلال السنوات المقبلة.
الأمراض العصبية.. عبء صحي عالمي يتزايد
تشكل الأمراض العصبية أحد أكبر تحديات الصحة العامة عالميًا، إذ تشمل مجموعة واسعة من الاضطرابات، من بينها السكتات الدماغية، والصداع النصفي، ومرض ألزهايمر وأنواع الخرف الأخرى، ومرض باركنسون، والصرع، والتصلب المتعدد.
وبحسب دراسة عالمية نشرتها دورية The Lancet Neurology، بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية، فقد بلغ عدد الأشخاص الذين كانوا يعانون حالة صحية تؤثر على الجهاز العصبي نحو 3.4 مليار شخص خلال عام 2021، بما يعادل 43% من سكان العالم.
كما كشفت الدراسة أن الحالات العصبية أصبحت السبب الأول عالميًا لفقدان سنوات الحياة الصحية نتيجة المرض أو الإعاقة أو الوفاة المبكرة، مع ارتفاع العبء الإجمالي لهذه الحالات بنسبة تجاوزت 18% بين عامي 1990 و2021.
ولا تعني هذه الزيادة بالضرورة ارتفاع خطر الإصابة لدى كل فرد، إذ يرتبط جزء مهم منها بالنمو السكاني وارتفاع متوسط الأعمار، إلا أنها تعكس حجم التحديات التي تواجه الأنظمة الصحية.
ويرى الدكتور أولف كالفيت، طبيب الأعصاب وأحد رئيسي فريق العمل المعني بالتأثيرات البيئية في الأكاديمية الأوروبية لطب الأعصاب، أن الأمراض العصبية لا تمثل مشكلة فردية تخص المرضى وحدهم، وإنما تؤثر أيضًا في الأسر والمجتمعات والاقتصادات.
وأوضح كالفيت، خلال تصريحات أدلى بها لـ«يورونيوز هيلث» على هامش المنتدى الأوروبي للصحة في غاشتين، أن التأثير الواسع لهذه الأمراض يجعل حماية صحة الدماغ ضرورة صحية ومجتمعية، محذرًا من أن تغير المناخ قد يؤدي إلى زيادة الأعباء المرتبطة بها مستقبلًا.
موجات الحر.. كيف تزيد الضغوط على الدماغ؟
تعد درجات الحرارة المرتفعة من أبرز المخاطر البيئية التي تثير قلق المتخصصين في طب الأعصاب، نظرًا لتأثيراتها المحتملة على الدورة الدموية وتنظيم حرارة الجسم ووظائف المخ.
فعندما يتعرض الإنسان لدرجات حرارة شديدة الارتفاع، يبدأ الجسم في تنشيط آليات التبريد الطبيعية، وفي مقدمتها التعرق وزيادة تدفق الدم نحو الجلد، بهدف التخلص من الحرارة الزائدة.
لكن استمرار التعرض للحرارة، خاصة في الأجواء الرطبة أو مع عدم تعويض السوائل المفقودة، قد يؤدي إلى الجفاف واضطراب توازن الأملاح وزيادة العبء على القلب والأوعية الدموية، وهي عوامل يمكن أن تزيد احتمالات حدوث مضاعفات خطيرة لدى الأشخاص الأكثر عرضة للخطر.
وتشير مراجعات علمية إلى وجود ارتباط بين درجات الحرارة الشديدة أو التقلبات الحرارية وارتفاع معدلات بعض الأمراض الوعائية الدماغية، بما في ذلك السكتات الدماغية، وإن كانت درجة الخطورة تختلف بحسب العمر والحالة الصحية والظروف المناخية المحلية.
وحذر كالفيت من ارتفاع عدد السكتات الدماغية مع تجاوز درجات الحرارة مستوى 30 درجة مئوية في بعض السياقات التي تناولها، مشيرًا إلى أن نسبة السكتات المرتبطة بالحرارة، والتي قدرها بنحو 1% حاليًا، قد ترتفع إلى ما بين 5% و8% خلال العقدين أو العقود الثلاثة المقبلة.
وتظل هذه النسب تقديرات وتحذيرات مستقبلية طرحها الخبير، وليست توقعات مؤكدة تنطبق على جميع الدول الأوروبية، إذ تعتمد المخاطر الفعلية على معدلات الاحترار ومستوى التكيف الصحي والبيئي وخصائص السكان.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن موجات الحر يمكن أن تفاقم أمراض القلب والأوعية الدموية والأمراض الوعائية الدماغية، وأن آثارها الصحية تتأثر بشدة التعرض ومدته والقدرة على توفير وسائل الحماية والتبريد.

الليالي الحارة واضطرابات النوم.. خطر غير مباشر على صحة الدماغ
لا يتوقف تأثير ارتفاع درجات الحرارة عند ساعات النهار، إذ يمكن أن تشكل الليالي الحارة الممتدة تهديدًا آخر لصحة الدماغ من خلال التأثير على جودة النوم.
ففي الظروف الطبيعية، يحتاج الجسم إلى خفض درجة حرارته الداخلية نسبيًا للمساعدة على الدخول في النوم والاستمرار فيه، لكن ارتفاع حرارة الغرف أثناء الليل قد يعوق هذه العملية، ويتسبب في تكرار الاستيقاظ وتراجع جودة النوم العميق.
وتعرف الليالي التي تظل فيها درجات الحرارة عند 20 درجة مئوية أو أكثر في بعض التصنيفات المناخية الأوروبية باسم «الليالي الاستوائية»، وهي ظاهرة تثير اهتمام الباحثين بسبب تأثيرها على الراحة والنوم والتعافي البدني.
ويشير المتخصصون إلى أن الحرمان من النوم أو اضطرابه بصورة مزمنة قد يؤثر سلبًا على الانتباه والذاكرة والتركيز والقدرات الذهنية، كما ارتبط في دراسات رصدية بارتفاع احتمالات الإصابة ببعض الاضطرابات الصحية والعصبية.
وأوضح كالفيت أن المشكلة لا تكمن في التعرض لليلة أو ليلتين من النوم السيئ، وإنما في استمرار اضطرابات النوم لفترات طويلة، وهو ما قد يرتبط بزيادة مخاطر الإصابة بالسكتات الدماغية والخرف.
وتدعم بعض الدراسات وجود ارتباط بين اضطرابات النوم المزمنة وزيادة احتمالات الإصابة بالخرف مستقبلًا، إلا أن هذه العلاقة معقدة؛ فاضطراب النوم قد يكون عامل خطر محتملًا، وقد يظهر أحيانًا بوصفه عرضًا مبكرًا لبعض الأمراض العصبية، ولا يعني مجرد التعرض للأرق أن الشخص سيصاب بالخرف.
ومن هنا، تبرز أهمية تحسين ظروف النوم باعتبارها أحد الجوانب الوقائية المهمة، سواء من خلال خفض حرارة غرف النوم، أو تقليل الإضاءة والضوضاء، أو الحفاظ على انتظام مواعيد النوم.
تلوث الهواء.. تهديد صامت للأوعية الدموية والجهاز العصبي
إلى جانب الحرارة، يبرز تلوث الهواء باعتباره أحد العوامل البيئية المرتبطة بتدهور الصحة العصبية، خاصة في المدن الكبرى والمناطق ذات الكثافة المرورية والصناعية المرتفعة.
وتشير الأبحاث إلى أن التعرض طويل الأمد لبعض ملوثات الهواء، خصوصًا الجسيمات الدقيقة المعروفة باسم PM2.5، يرتبط بزيادة مخاطر السكتات الدماغية وبعض الاضطرابات العصبية.
وتكمن خطورة هذه الجسيمات في صغر حجمها، الذي يسمح لها بالوصول إلى أعماق الجهاز التنفسي، وقد تسهم في إثارة الالتهابات والإجهاد التأكسدي واضطراب وظائف الأوعية الدموية، وهي عمليات قد تنعكس على صحة الجهاز العصبي.
وفي مراجعة علمية منشورة بدورية Neurology، شملت 364 دراسة تناولت المناخ والتلوث والصحة العصبية، وجد الباحثون ارتباطات بين بعض ملوثات الهواء وزيادة حدوث السكتات الدماغية وشدتها، فضلًا عن ارتباطات محتملة بالصداع والخرف ومرض باركنسون وتفاقم أعراض التصلب المتعدد.
ومع ذلك، تختلف قوة الأدلة من مرض إلى آخر، ولا يمكن اعتبار جميع هذه الارتباطات دليلًا قاطعًا على علاقة سببية مباشرة.
وتزداد أهمية هذه النتائج في ظل احتمالات تزامن موجات الحر مع ارتفاع مستويات تلوث الهواء، بما يضاعف الضغوط البيئية على الفئات الأكثر هشاشة.
تغير المناخ يعيد رسم خريطة الأمراض المعدية في أوروبا
يمتد تأثير تغير المناخ إلى انتشار بعض الكائنات الناقلة للأمراض، إذ تؤثر الحرارة والرطوبة وأنماط الأمطار في البيئة المناسبة لتكاثر البعوض والقراد، وفي مواسم نشاطها ونطاق انتشارها الجغرافي.
ويثير هذا التحول مخاوف بشأن احتمال وصول بعض الأمراض المعدية إلى مناطق لم تكن تشهد انتشارًا واسعًا لها من قبل، بما في ذلك عدوى قد تؤثر على الجهاز العصبي.
ومن أبرز هذه الأمراض داء لايم، الذي ينتقل عن طريق القراد المصاب، وقد يؤدي في بعض الحالات إلى مضاعفات عصبية، تشمل التهاب الأعصاب أو السحايا.
كذلك يمثل فيروس غرب النيل أحد الأمثلة المهمة للأمراض المنقولة بالبعوض، إذ قد يسبب لدى نسبة محدودة من المصابين مضاعفات عصبية خطيرة، من بينها التهاب الدماغ والسحايا.
وفي أغسطس 2026، حذر المركز الأوروبي للوقاية من الأمراض ومكافحتها من اتساع نطاق انتقال فيروس غرب النيل في أوروبا، مشيرًا إلى تسجيل 429 إصابة مكتسبة محليًا في تسع دول أوروبية حتى 13 أغسطس من العام نفسه.
كما تناول كالفيت احتمال تغير الظروف البيئية الملائمة لانتقال الملاريا في بعض أجزاء جنوب أوروبا مستقبلًا، لكنه طرح ذلك بوصفه خطرًا محتملًا، وليس دليلًا على عودة انتشار واسع ومستقر للمرض داخل القارة.
ويؤكد الخبراء أن تغير المناخ ليس العامل الوحيد وراء تحولات الأمراض المعدية، إذ تتداخل معه حركة السفر والتجارة والتغيرات البيئية وقدرات المراقبة الصحية ومكافحة الحشرات الناقلة للأمراض.

الفقر والسكن غير الملائم.. لماذا لا يتساوى الجميع في المخاطر؟
على الرغم من أن تغير المناخ يؤثر في مختلف الفئات السكانية، فإن تبعاته الصحية لا تتوزع بالتساوي.
فكبار السن والأطفال والحوامل والأشخاص المصابون بأمراض القلب والجهاز العصبي والسكري قد يكونون أكثر عرضة للمضاعفات الناجمة عن موجات الحر الشديدة.
لكن العوامل الاجتماعية والاقتصادية تضيف مستوى آخر من التفاوت في المخاطر؛ فالأسر محدودة الدخل قد تعيش في مساكن سيئة التهوية أو تفتقر إلى وسائل التبريد المناسبة، كما قد توجد في مناطق مرتفعة التلوث وأقل استفادة من المساحات الخضراء والخدمات الصحية.
وبالتالي، فإن شخصين يعيشان في المدينة نفسها قد يتعرضان لمستويات مختلفة تمامًا من المخاطر الصحية أثناء موجة الحر، تبعًا لجودة المسكن والقدرة على استخدام التكييف وطبيعة العمل والموارد الاقتصادية المتاحة.
وتشير أبحاث تناولت العلاقة بين الحرمان الاجتماعي وصحة الدماغ إلى وجود ارتباطات بين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية الأقل ملاءمة وبعض المؤشرات الأضعف لصحة الدماغ، بما في ذلك انخفاض الحجم الكلي للدماغ وظهور علامات أكبر على تلف الأوعية الدموية الدقيقة في بعض الدراسات.
ولا يمكن تفسير هذه النتائج بعامل واحد، إذ تتداخل معها عوامل عديدة، مثل التغذية ومستويات التعليم والتعرض للتلوث والأمراض المزمنة وإمكانية الحصول على الرعاية الصحية.
ويحذر كالفيت من أن تغير المناخ قد يؤدي إلى تعميق هذه الفوارق القائمة، لأن القدرة على حماية الصحة من الحرارة والتلوث أصبحت مرتبطة، بدرجات متفاوتة، بالموارد الاقتصادية وظروف الحياة.
وهنا تتحول صحة الدماغ من قضية طبية فردية إلى مسألة تتعلق أيضًا بالعدالة الصحية والاجتماعية.
المساحات الخضراء.. هل تحمي الدماغ من آثار التغير المناخي؟
في مقابل المخاطر المرتبطة بالحرارة والتلوث، يلفت الباحثون الانتباه إلى الدور المحتمل للمساحات الخضراء في دعم الصحة العامة والنفسية والعصبية.
فوجود الحدائق والأشجار والمساحات المفتوحة داخل المدن يساعد على تخفيف بعض آثار الحرارة الحضرية، كما يوفر بيئة مناسبة للنشاط البدني والتواصل الاجتماعي والاسترخاء.
وقد ربطت دراسات رصدية بين التعرض للمساحات الخضراء وتحسن بعض المؤشرات الصحية، بما فيها مؤشرات تتعلق بالصحة النفسية وصحة القلب والأوعية الدموية.
وأشار كالفيت إلى تقديرات بحثية تربط قضاء وقت منتظم في الغابات بانخفاض محدود في مخاطر السكتات الدماغية والخرف، لافتًا إلى أهمية التواصل المستمر مع الطبيعة.
لكن هذه النتائج لا تعني وجود مدة محددة من التنزه تضمن الحماية من الأمراض العصبية، كما أن الفوائد المحتملة قد ترتبط بمجموعة من العوامل المتداخلة، من بينها ممارسة النشاط البدني وانخفاض التوتر وتحسن جودة الهواء.
ومع ذلك، يتزايد الاهتمام العلمي بإدراج المساحات الخضراء ضمن التخطيط الحضري الصحي، خصوصًا مع تفاقم ظاهرة الجزر الحرارية داخل المدن المكتظة بالمباني والطرق.
منظمة الصحة العالمية: أوروبا من أسرع مناطق العالم احترارًا
تؤكد منظمة الصحة العالمية أن المنطقة الأوروبية التابعة لها تشهد ارتفاعًا في درجات الحرارة بمعدل يقارب ضعف المتوسط العالمي، وهو ما يزيد أهمية الاستعداد الصحي لموجات الحر.
وتشير تقديرات المنظمة إلى أن الحرارة الشديدة أسهمت في عشرات الآلاف من الوفيات داخل أوروبا خلال صيفي 2022 و2023، نتيجة تأثيراتها المباشرة وغير المباشرة على الصحة.
كما توضح أن موجات الحر قد تفاقم الأمراض المزمنة وتزيد الضغط على المستشفيات وخدمات الطوارئ، خاصة في المجتمعات التي ترتفع فيها نسبة كبار السن.
وهذه المخاطر لا تقتصر على أوروبا وحدها، بل تمتد إلى مختلف مناطق العالم، مع اختلاف طبيعة التعرض للحرارة ومستوى الاستعداد الصحي والقدرة على التكيف.
حماية صحة الدماغ.. مسؤولية الفرد أم الدولة؟
يرى خبراء الصحة العامة أن مواجهة التأثيرات العصبية المحتملة لتغير المناخ تحتاج إلى تدخلات على مستويين متكاملين: إجراءات فردية للحد من التعرض للمخاطر، وسياسات عامة لمعالجة الظروف البيئية والاجتماعية التي تزيد هذه المخاطر.
فعلى المستوى الفردي، توصي منظمة الصحة العالمية بتجنب النشاط البدني المجهد خلال ساعات الحر الشديد، والحفاظ على ترطيب الجسم، والبقاء في أماكن معتدلة الحرارة، واستخدام وسائل التظليل والتهوية المناسبة.
كما تبرز أهمية النوم الجيد والمتابعة المنتظمة للأمراض المزمنة، خاصة لدى كبار السن ومرضى القلب والسكري والأمراض العصبية.
أما على مستوى السياسات العامة، فتشمل الإجراءات المطلوبة تطوير نظم الإنذار المبكر بموجات الحر، والتوسع في التشجير، وتحسين جودة الهواء، ووضع اشتراطات عمرانية تساعد على الحد من ارتفاع درجات الحرارة داخل المباني.
كذلك تبرز الحاجة إلى تطوير منظومات الترصد الوبائي للأمراض المنقولة بالحشرات، وتعزيز جاهزية المؤسسات الصحية للتعامل مع موجات الحر والزيادة المحتملة في الحالات المرضية.
ويؤكد المتخصصون أن الإجراءات الفردية، رغم أهميتها، لا يمكن أن تعوض غياب السياسات العامة الفعالة، خصوصًا بالنسبة إلى الفئات التي لا تمتلك القدرة الاقتصادية على توفير الحماية المناسبة.
صحة الدماغ في قلب أزمة المناخ
تسلط التحذيرات العلمية المتزايدة الضوء على بُعد صحي جديد لأزمة تغير المناخ، يتمثل في تأثيراتها المحتملة على الدماغ والجهاز العصبي.
فالعلاقة بين البيئة وصحة الإنسان أصبحت أكثر تعقيدًا من مجرد التعرض للحرارة المرتفعة؛ إذ تتداخل عوامل النوم وتلوث الهواء والأمراض المعدية والظروف المعيشية والضغوط الاجتماعية لتشكيل مستوى المخاطر الصحية.
ورغم أن بعض التأثيرات لا تزال بحاجة إلى مزيد من الدراسات لتحديد حجمها بدقة، فإن الأدلة المتاحة تدعم أهمية التعامل مع تغير المناخ بوصفه أحد التحديات المؤثرة في الصحة العامة، بما فيها الصحة العصبية.
وتبقى الرسالة الأساسية أن حماية صحة الدماغ لا تبدأ داخل المستشفيات وحدها، بل تمتد إلى نوعية الهواء الذي نتنفسه، والبيوت التي نعيش فيها، والقدرة على النوم في بيئة صحية، ومدى توافر المساحات الخضراء والرعاية الصحية للجميع.
فمواجهة تغير المناخ لم تعد ضرورة بيئية فحسب، وإنما أصبحت أيضًا استثمارًا طويل الأجل في الوقاية من المرض، والحد من التفاوتات الصحية، وحماية جودة الحياة للأجيال الحالية والمقبلة.



