كشفت دراسة علمية حديثة عن آلية قد تساعد في تفسير العلاقة المعروفة منذ سنوات بين كثافة أنسجة الثدي وارتفاع خطر الإصابة بسرطان الثدي، بعدما وجد باحثون أن زيادة صلابة وشد الأنسجة قد تطلق سلسلة من التفاعلات الالتهابية القادرة في النهاية على إحداث تلف في الحمض النووي للخلايا.
الدراسة، التي قادها باحثون من جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو ونُشرت في مجلة Cancer Cell عام 2026، أظهرت أن الأنسجة الليفية أو الأكثر صلابة قد تنشط مسارًا خلويًا يُعرف باسم STAT3 داخل الخلايا الظهارية، وهو ما يحفز إنتاج إشارات كيميائية تستدعي خلايا مناعية تسمى الماكروفاج إلى النسيج.
كيف تبدأ السلسلة؟
وفق النتائج، لا تتوقف المسألة عند وجود الماكروفاج داخل النسيج، بل إن صلابة البيئة المحيطة قد تدفع هذه الخلايا إلى إنتاج أنواع تفاعلية من الأكسجين ROS.
هذه الجزيئات قصيرة العمر لا تنتقل عادة لمسافات بعيدة، لكن الباحثين وجدوا أنها يمكن أن تؤدي إلى أكسدة الدهون داخل الماكروفاج، لتتكون بعدها مركبات تُعرف بالألدهيدات الدهنية. وتتميز هذه المركبات بقدرتها على الانتقال من الخلايا المناعية إلى الخلايا المجاورة والتسبب في تلف الحمض النووي بها.
وبعبارة أبسط، تقترح الدراسة سلسلة محتملة تبدأ بـ:
نسيج أكثر صلابة → تنشيط إشارات التهابية → جذب الماكروفاج → أكسدة الدهون → تكوين ألدهيدات → تلف DNA الخلايا المجاورة.
لماذا تعتبر كثافة الثدي مهمة؟
الثدي عالي الكثافة يحتوي على نسبة أكبر من الأنسجة الليفية والغدية مقارنة بالدهون، وهو عامل معروف بارتباطه بزيادة خطر الإصابة بسرطان الثدي.
والجديد في الدراسة أن الباحثين لم يكتفوا بالعلاقة الإحصائية، بل وجدوا في عينات الأنسجة عالية الكثافة زيادة في الصلابة والالتهاب ومستويات الألدهيدات الدهنية وعلامات تلف الحمض النووي، بما يقدم تفسيرًا بيولوجيًا محتملاً لكيفية مساهمة هذه البيئة في بداية أو تقدم التغيرات السرطانية.
كما أظهرت تحليلات الأورام الليفية في الدراسة ارتباطها بعبء أعلى من الطفرات الجينية، وهو ما عزز فرضية أن التليف والشد الميكانيكي داخل الأنسجة قد يكونان جزءًا من بيئة مساعدة على حدوث الطفرات.
الدراسة لم تعتمد على نموذج واحد
اعتمد الباحثون على أكثر من مستوى من الأدلة، شمل تحليلات جينية، ونماذج مخبرية لخلايا الأورام، وتجارب على نماذج حيوانية، إلى جانب فحص عينات بشرية من أنسجة وأورام الثدي. وأظهرت هذه النماذج بصورة متقاربة وجود علاقة بين صلابة النسيج وتجمع الماكروفاج وزيادة الألدهيدات وتلف الـDNA.
هل تفتح الدراسة الباب لعلاج وقائي؟
الباحثون يرون أن النتائج قد تفتح مجالًا جديدًا لدراسة تدخلات تستهدف منع تكوين الألدهيدات أو تقليل الأكسدة داخل الماكروفاج، بما قد يساعد مستقبلاً في تعطيل هذه السلسلة قبل أن تؤدي إلى تلف جيني.
لكن هذه الفكرة ما تزال بحثية وتجريبية، ولم تثبت الدراسة أن هناك علاجًا أو دواءً يمكن استخدامه حاليًا لمنع سرطان الثدي عبر هذا المسار.
لماذا تهم النتائج النساء ذوات الثدي الكثيف؟
الأهمية الأساسية للدراسة أنها تقدم تفسيرًا أعمق لفكرة أن كثافة الثدي ليست مجرد عامل يجعل قراءة الماموجرام أكثر صعوبة، وإنما قد تكون أيضًا بيئة بيولوجية نشطة ترتبط بالالتهاب وصلابة الأنسجة وتلف الـDNA.
وهذا لا يعني أن كثافة الثدي تؤدي حتميًا إلى السرطان، وإنما تؤكد أهمية تقييم مستوى الخطورة بشكل فردي والالتزام ببرامج المتابعة والفحص التي يحددها الطبيب.
بيانات الدراسة:
Mary-Kate Hayward وآخرون، Tissue tension fosters macrophage-driven lipid peroxidation-induced DNA damage، مجلة Cancer Cell، المجلد 44، العدد 6، يونيو 2026.
DOI: 10.1016/j.ccell.2026.03.022.



