دراسة دولية شملت أكثر من 9500 مريض بالصرع: الخطر اقترب من الضعف مع «ليفيتيراسيتام» مقارنة ببعض البدائل.. والباحثون يؤكدون ضرورة عدم وقف العلاج دون استشارة الطبيب
أثارت دراسة حديثة منشورة في دورية JAMA Neurology تساؤلات جديدة حول سلامة الجمع بين بعض أدوية الصرع وأدوية السيولة الحديثة، بعدما أظهرت النتائج أن استخدام عقار ليفيتيراسيتام Levetiracetam بالتزامن مع مضادات التجلط الفموية المباشرة ارتبط بزيادة ملحوظة في خطر الجلطات الدموية مقارنة ببعض أدوية الصرع الأخرى.
وتكتسب النتائج أهمية خاصة لأن ليفيتيراسيتام من أدوية الصرع واسعة الاستخدام، ويُفضَّل في كثير من الحالات بسبب انخفاض احتمالات تفاعله مع الأدوية الأخرى مقارنة ببعض العلاجات التقليدية.
لكن الباحثين يشددون على أن الدراسة رصدية، وبالتالي فإنها تكشف عن ارتباط إحصائي ولا تثبت أن ليفيتيراسيتام يسبب الجلطات بصورة مباشرة، كما أنها لا تعني أن المريض يجب أن يوقف الدواء أو يستبدله من تلقاء نفسه.
أكثر من 9500 مريض في الدراسة
اعتمد الباحثون على بيانات شبكة TriNetX الدولية للسجلات الصحية الإلكترونية، والتي تضم بيانات من 165 مؤسسة للرعاية الصحية حول العالم.
وبعد تطبيق معايير الاختيار، شملت الدراسة 9529 مريضًا بالغًا بالصرع بدأوا استخدام أحد أدوية الصرع بالتزامن مع أدوية السيولة الحديثة.
وبلغ متوسط عمر المشاركين 63 عامًا، وشكلت النساء نحو 51% منهم. وكان 5473 مريضًا، أي 57% من العينة، يتناولون ليفيتيراسيتام.
كما شملت الدراسة مرضى يستخدمون فالبروات، وأدوية قوية محفزة للإنزيمات مثل كاربامازيبين وفينيتوين، وأدوية أخرى متوسطة التأثير على الإنزيمات.
خطر الجلطات اقترب من الضعف
قارنت الدراسة مستخدمي ليفيتيراسيتام بمجموعة مرجعية من المرضى الذين يتناولون لاموتريجين أو لاكوساميد.
وأظهرت النتائج أن استخدام ليفيتيراسيتام ارتبط بزيادة خطر الأحداث التخثرية إلى ما يقرب من الضعف، إذ بلغ معامل الخطورة 1.98 مقارنة بالمجموعة المرجعية.
وشملت الأحداث التي راقبها الباحثون السكتة الدماغية الناتجة عن انسداد شريان، والجلطة القلبية، والجلطات الرئوية، والجلطات التي تصيب الدورة الدموية الطرفية أو الجهازية.
وهنا يجب التأكيد أن الحديث عن «ضعف الخطر» يعني الخطر النسبي بين مجموعتين في الدراسة، وليس أن كل مريض يتناول الدواء معرض بنسبة 100% أو أن الجلطة ستحدث بالضرورة.
ارتفاع في الوفيات أيضًا
وجد الباحثون أن ليفيتيراسيتام ارتبط كذلك بزيادة في الوفيات من جميع الأسباب بنحو 60% مقارنة بالمرضى الذين استخدموا لاموتريجين أو لاكوساميد.
وفي المقابل، لم تظهر الدراسة زيادة مماثلة في خطر النزيف الكبير مع ليفيتيراسيتام.
ولا تثبت هذه النتيجة أن الدواء نفسه تسبب في الوفيات، إذ قد تكون هناك اختلافات أخرى بين المرضى، من بينها الحالة الصحية الأساسية وشدة المرض وأسباب اختيار كل دواء.
ماذا عن كاربامازيبين وفينيتوين؟
كما رصدت الدراسة زيادة في خطر الجلطات لدى مستخدمي بعض أدوية الصرع المعروفة بتأثيرها القوي على الإنزيمات المسؤولة عن استقلاب الأدوية في الجسم.
وشملت هذه المجموعة عقاري كاربامازيبين وفينيتوين، وارتبط استخدامها بزيادة خطر الأحداث التخثرية بنحو 55% مقارنة بالمجموعة المرجعية.
وفي الوقت نفسه، ارتبطت هذه الأدوية بانخفاض خطر النزيف الكبير بنحو 38%.
ويثير هذا النمط احتمال أن تؤثر بعض أدوية الصرع في مستوى أدوية السيولة أو فعاليتها داخل الجسم، إلا أن الدراسة لم تقيس هذا التأثير بشكل مباشر ولا تثبت الآلية بشكل قاطع.
فالبروات والنزيف داخل الجمجمة
وحملت النتائج إشارة أخرى مهمة بشأن عقار فالبروات Valproate.
فقد ارتبط استخدامه بزيادة في الوفيات من جميع الأسباب بنحو 49%، كما ارتبط بارتفاع خطر النزيف الكبير داخل الجمجمة إلى نحو ثلاثة أضعاف مقارنة بمجموعة لاموتريجين أو لاكوساميد.
وتعني هذه النتيجة أن اختيار دواء الصرع لدى المريض الذي يحتاج في الوقت نفسه إلى علاج لمنع الجلطات قد يحتاج إلى تقييم أدق للموازنة بين خطر الجلطات وخطر النزيف.
ما المقصود بأدوية السيولة الحديثة؟
المقصود هنا مجموعة تعرف طبيًا باسم مضادات التخثر الفموية المباشرة أو DOACs، وهي أدوية تستخدم للحد من تكوّن الجلطات لدى مرضى مثل المصابين بالرجفان الأذيني أو من لديهم تاريخ لبعض أنواع الجلطات.
وتعمل هذه الأدوية على تثبيط عوامل محددة داخل منظومة التجلط، ولذلك فإن أي دواء يؤثر في مستوياتها أو طريقة تعامل الجسم معها قد يؤدي نظريًا إلى تقليل فعاليتها أو زيادة خطر النزيف.
لماذا يثير ليفيتيراسيتام اهتمام الباحثين؟
كان ليفيتيراسيتام يُنظر إليه لفترة طويلة باعتباره خيارًا مناسبًا نسبيًا للمرضى الذين يتناولون عدة أدوية، بسبب انخفاض تفاعلاته الدوائية مقارنة بمضادات صرع أقدم.
لكن دراسات سابقة أثارت جدلًا حول احتمال تأثيره في بعض الناقلات المسؤولة عن التخلص من أدوية معينة من الجسم.
ولا يزال هذا التفاعل موضع نقاش علمي، إذ لم تتفق الدراسات السابقة بصورة كاملة على وجود تأثير سريري مهم.
دراسة سابقة لم تجد الخطر نفسه
وتزيد نتائج دراسة منشورة في JAMA Neurology عام 2024 من أهمية التعامل بحذر مع الدراسة الجديدة.
فالدراسة السابقة، التي شملت أكثر من 14 ألف حالة استخدام متزامن لأدوية الصرع وأدوية السيولة، لم تجد زيادة واضحة في خطر الجلطات مع الأدوية المحفزة للإنزيمات مقارنة بالأدوية الأخرى.
ويعني ذلك أن البيانات العلمية ليست محسومة بعد، وأن هناك حاجة إلى دراسات إضافية، وربما تجارب مستقبلية أكثر دقة، لفهم مدى وجود تداخل حقيقي وما إذا كان ينطبق على جميع المرضى.
28% من الجلطات ربما كان يمكن تجنبها نظريًا
قدّر الباحثون في الدراسة الجديدة أن نحو 28% من الأحداث التخثرية ربما كان يمكن تجنبها نظريًا إذا تلقى المرضى نمط العلاج المرجعي المستخدم في الدراسة، أي لاموتريجين أو لاكوساميد.
لكن هذه النسبة لا تعني أن تغيير دواء الصرع سيمنع 28% من الجلطات فعليًا، لأنها نتيجة إحصائية ناتجة عن نموذج الدراسة وليست نتيجة تجربة عشوائية أثبتت أن استبدال العلاج يؤدي إلى هذا الانخفاض.
ماذا حدث مع المرضى الذين استخدموا الوارفارين؟
أجرى الباحثون أيضًا تحليلًا إضافيًا على مرضى يستخدمون أدوية السيولة الأقدم المعتمدة على مضادات فيتامين K، مثل الوارفارين.
ولم تظهر لدى هؤلاء زيادة واضحة في خطر الجلطات مع مجموعات أدوية الصرع نفسها، وهو ما اعتبره الباحثون إشارة قد تدعم وجود تداخل خاص بأدوية السيولة المباشرة، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات ذلك.
هل يجب على المريض إيقاف ليفيتيراسيتام؟
لا.
هذه هي أهم رسالة يجب أن تصل إلى المرضى.
لا ينبغي للمريض الذي يتناول ليفيتيراسيتام أو أي دواء آخر للصرع مع أدوية السيولة أن يوقف أحد العلاجين أو يغير الجرعات دون استشارة الطبيب.
فالتوقف المفاجئ عن علاج الصرع قد يؤدي إلى عودة النوبات أو تفاقمها، بينما إيقاف أدوية السيولة قد يرفع خطر الإصابة بجلطات خطيرة، بما فيها السكتة الدماغية.
من يحتاج إلى مراجعة علاجه؟
تدعم النتائج أهمية مراجعة الخطة العلاجية لدى المرضى الذين يجمعون بين أدوية الصرع وأدوية السيولة، خاصة كبار السن، ومن لديهم تاريخ سابق للجلطات، أو عوامل متعددة تزيد خطر الإصابة بها أو النزيف.
وقد يقرر الطبيب، وفق حالة كل مريض، الاستمرار في العلاج كما هو، أو اختيار بديل، أو زيادة درجة المتابعة.
لكن الدراسة لا تقدم توصية عامة بتغيير ليفيتيراسيتام لكل المرضى.
دراسة مهمة.. لكنها ليست حكمًا نهائيًا
خلص الباحثون إلى أن اختيار دواء الصرع قد يكون عاملًا يمكن تعديله لتحسين النتائج لدى مرضى الصرع الذين يحتاجون إلى أدوية السيولة الحديثة.
لكن طبيعة الدراسة الرصدية تفرض الحذر في تفسير النتائج، خاصة في ظل وجود دراسات سابقة لم تصل إلى الاستنتاج نفسه.
والرسالة العلمية الأهم ليست أن «ليفيتيراسيتام يسبب الجلطات»، وإنما أن الجمع بين بعض أدوية الصرع وأدوية السيولة الحديثة يحتاج إلى مراجعة أكثر دقة، وأن اختيار العلاج يجب أن يتم بصورة فردية وفق مخاطر كل مريض.
ونُشرت الدراسة في JAMA Neurology في 17 أغسطس 2026 تحت عنوان Safety of Antiseizure Medications During Direct Oral Anticoagulant Therapy in Epilepsy، وشملت بيانات من 165 مؤسسة صحية دولية.



