بدأت القصة بطفل لم يتجاوز السابعة من عمره داخل مستشفى أهل مصر لعلاج الحروق.
“مالك” لم يصل إلى غرفة الطوارئ بسبب حادث عرضي، بل بعد واقعة صادمة داخل منزله؛ إذ تعرض لحروق شديدة في يده بعد أن قامت والدته بوضعها تحت مياه شديدة السخونة كنوع من العقاب، ما استدعى تدخلًا طبيًا عاجلًا، وجراحة أولية، مع رحلة علاج طويلة تشمل عمليات إضافية وتأهيلًا نفسيًا لاستعادة الإحساس بالأمان.
لكن ما تعرض له “مالك” لم يكن حالة فردية داخل المستشفى، بل جزء من نمط أكثر اتساعًا يكشف عن جانب مظلم من العنف ضد الأطفال داخل الأسرة.
داخل المستشفى، تم رصد نحو 40 حالة عنف ضد الأطفال، بينها 20 حالة عنف أسري، تراوحت بين الحروق المتعمدة والإيذاء الجسدي الشديد، من بينها فتاة مراهقة أُشعلت فيها النيران باستخدام مواد قابلة للاشتعال، وطفلة أخرى تعرضت لحروق في الأطراف نتيجة سكب مياه مغلية، إلى جانب حالات استخدمت فيها مواد كاوية في سياقات عقابية أو انتقامية.
هذه الحالات تطرح سؤالًا أعمق من مجرد “حادث فردي”، وهو: كيف يتحول المنزل، المفترض أنه مصدر الأمان الأول، إلى بيئة للعنف؟
اقرأ ايضًا: ترندات قاتلة.. حين يتحول المحتوى إلى سلاح ضد الحياة
العنف الأسري.. أزمة صامتة تتصاعد
تشير تقارير طبية ونفسية إلى أن العنف ضد الأطفال داخل الأسرة ليس ظاهرة نادرة، لكنه غالبًا ما يظل غير مرئي أو غير مُبلغ عنه، إما خوفًا أو اعتقادًا بأنه “أسلوب تربية”.
في كثير من الحالات، لا يكون العنف جسديًا فقط، بل يمتد إلى:
* الإيذاء النفسي والإهانة المستمرة
* العقاب القاسي غير المتناسب
* الإهمال العاطفي وعدم الاحتواء
ويؤكد متخصصون أن هذه الأنماط من العنف قد تترك آثارًا طويلة المدى على نمو الطفل النفسي والسلوكي.
اضطرابات نفسية متبادلة.. الأطفال والآباء تحت الضغط
في ظل تزايد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وغياب الدعم النفسي للأسرة، تتزايد أيضًا معدلات الاضطرابات النفسية غير المشخصة سواء لدى الأطفال أو الآباء.
الأطفال قد يعانون من:
* القلق والتوتر المستمر
* السلوك العدواني أو الانسحابي
* صعوبات في التعلم والتواصل
وفي المقابل، قد يواجه بعض الآباء:
* ضغوطًا نفسية مزمنة
* نوبات غضب غير مسيطر عليها
* ضعف الوعي بأساليب التربية الإيجابية
هذا التداخل بين الضغوط النفسية للطرفين قد يخلق بيئة أسرية غير مستقرة، تزيد من احتمالات العنف.
المشكلة ليست فردية.. بل منظومة كاملة
يرى خبراء أن التعامل مع العنف ضد الأطفال لا يمكن أن يقتصر على العلاج الطبي للحالات المصابة، بل يحتاج إلى:
* دعم نفسي مبكر للأطفال والأسر
* برامج توعية بأساليب التربية السليمة
* تفعيل دور الحماية الاجتماعية والقانونية
* تعزيز ثقافة الإبلاغ عن العنف دون خوف
الخلاصة
قصة “مالك” ليست مجرد واقعة صادمة، بل نافذة على واقع أوسع وأكثر تعقيدًا، حيث يختلط الألم النفسي بالبدني داخل بعض البيوت.
وفي ظل تزايد الضغوط الحياتية، يبقى السؤال الأهم:
كيف نحمي الطفل من أن يصبح ضحية داخل المكان الذي يفترض أن يحميه أولًا؟



