في صيف عام 1921، داخل معمل صغير بجامعة تورنتو الكندية، كان طبيب شاب يدعى فريدريك بانتنج يحاول إثبات فكرة بدت للكثيرين آنذاك أقرب إلى المستحيل.
كان مرض السكري من النوع الأول في ذلك الوقت بمثابة حكم بالموت. فالأطفال والشباب الذين يُشخَّصون بالمرض لم يكن أمامهم سوى أشهر أو سنوات قليلة من الحياة، وكانت أقصى ما يستطيع الأطباء تقديمه لهم هو أنظمة غذائية قاسية قد تؤخر الوفاة قليلًا، لكنها لا تمنعها.
لكن بانتنج كان يؤمن أن الإجابة مختبئة داخل عضو صغير في الجسم هو البنكرياس.
عندما كان السكري حكمًا بالإعدام
قبل اكتشاف الأنسولين، كان تشخيص طفل بالسكري يعني غالبًا أنه لن يعيش طويلًا.
في مطلع القرن العشرين كان الأطباء يعتمدون على ما عُرف بـ”حمية التجويع”، حيث يُمنع المريض من معظم الأطعمة لتقليل مستوى السكر في الدم. وكان المرضى يفقدون أوزانهم تدريجيًا حتى يصلوا إلى الهزال الشديد قبل الوفاة.
وفي كثير من المستشفيات كانت هناك أجنحة كاملة مخصصة للأطفال المصابين بالسكري ينتظرون مصيرًا معروفًا للجميع.
التجربة التي غيّرت التاريخ
في مايو 1921، بدأ بانتنج العمل مع طالب الطب تشارلز بيست تحت إشراف العالم جون ماكلاود.
ركز الفريق على عزل المادة التي تفرزها خلايا البنكرياس والمسؤولة عن تنظيم السكر في الدم.
وبعد شهور من التجارب المتواصلة، نجحوا في استخلاص مادة أطلق عليها لاحقًا اسم “الأنسولين”.
كانت الخطوة التالية هي التجربة على البشر.
أول طفل عاد من حافة الموت
في يناير 1922 دخل الطفل ليونارد طومسون، البالغ من العمر 14 عامًا، التاريخ من أوسع أبوابه.
كان الصبي يحتضر داخل مستشفى تورنتو بسبب السكري.
حصل على أول جرعة من الأنسولين المستخلص حديثًا.
في البداية لم تكن النتائج مثالية بسبب نقاء المستحضر، لكن بعد تحسينه وإعادة الحقن حدث ما بدا معجزة طبية في ذلك العصر.
انخفض مستوى السكر في الدم، واختفت أعراض التسمم، واستعاد الطفل قوته تدريجيًا.
لأول مرة أصبح السكري مرضًا يمكن التعايش معه بدلًا من أن يكون حكمًا بالموت.

جائزة نوبل بعد عامين فقط
كان تأثير الاكتشاف هائلًا لدرجة أن جائزة نوبل في الطب مُنحت عام 1923 إلى فريدريك بانتنج وجون ماكلاود، أي بعد عامين فقط من اكتشاف الأنسولين.
ولا يزال بانتنج حتى اليوم أصغر طبيب يحصل على نوبل في الطب.
وفي موقف إنساني لافت، قرر بانتنج ورفاقه بيع براءة الاختراع لجامعة تورنتو مقابل دولار واحد فقط، حتى يصبح العلاج متاحًا للبشرية كلها.
من بنكرياس الحيوانات إلى الهندسة الوراثية
في بداياته كان الأنسولين يُستخلص من بنكرياس الأبقار والخنازير.
وظل هذا الأسلوب مستخدمًا لعقود طويلة حتى حدثت ثورة جديدة في عام 1982، عندما أصبح أول دواء يُنتج بتقنيات الهندسة الوراثية، ليظهر الأنسولين البشري المصنع معمليًا.
ومنذ ذلك الحين تطورت الأنواع بصورة هائلة، فظهرت الأنسولينات السريعة والطويلة المفعول، ثم المضخات الذكية وأجهزة المراقبة المستمرة للسكر.
أرقام تحكي حجم الإنجاز
اليوم يعيش أكثر من 500 مليون شخص حول العالم مع مرض السكري بمختلف أنواعه.
ويعتمد عشرات الملايين منهم على الأنسولين يوميًا للبقاء على قيد الحياة.
وتشير التقديرات إلى أن اكتشاف الأنسولين أنقذ مئات الملايين من الأرواح خلال القرن الماضي، ليصبح واحدًا من أعظم الإنجازات الطبية في تاريخ البشرية.
الدرس الأهم
لم يكن الأنسولين مجرد دواء.
كان قصة أمل بدأت بفكرة صغيرة داخل معمل متواضع، وانتهت بإنقاذ حياة أجيال كاملة من البشر.
ولهذا عندما يحقن مريض السكري جرعته اليومية اليوم، فهو لا يتلقى علاجًا فقط، بل يستفيد من اكتشاف غيّر مسار الطب الحديث، وأثبت أن البحث العلمي قادر على تحويل المستحيل إلى واقع.



