لم تكن تعرفني.. ولم أكن أعرفها

بقلم: د. حسام سلامة عبد ربه

استشاري ورئيس قسم النساء والتوليد بالمجمع الطبي

ليست كل لحظات الطب داخل عيادة أو غرفة عمليات، فبعضها يأتي بلا موعد، وفي مكان لم تتوقعه، ليضعك أمام إنسان لا تعرفه، لكنه في تلك اللحظة يحتاج إليك.

بالأمس، التقيت في الطريق سيدة كانت تمر بلحظات الولادة. لم تكن تعرفني، ولم أكن أعرفها، ولم يكن هناك وقت طويل للتفكير أو السؤال.

كان هناك فقط موقف إنساني واضح: أم تحتاج إلى المساعدة.

اقرأ ايضًا: في غرفة الولادة.. لا يولد طفل فقط بل تولد أم أيضًا

اصطحبتها بسيارة الإسعاف إلى المجمع الطبي، ومنذ وصولها حرصت على البقاء إلى جوارها، أتابع حالتها وأطمئن عليها، منتظرًا معها أن تمر لحظات الولادة بسلام.

كانت دقائق تحمل الكثير من القلق، حتى جاءت اللحظة التي بددت كل شيء..

وُلد طفلها بخير وسلام.

عندها شعرت بفرحة يصعب وصفها. لم أفكر في أجر أو مقابل، ولم يكن مهمًا أن هذه السيدة لم تكن تعرف حتى من أنا.

كان يكفيني أنني كنت موجودًا في اللحظة التي احتاجت فيها إلى من يمد لها يد المساعدة، وأن الله كتب لي أن أكون سببًا في أن تصل بأمان، وتضع طفلها، وتطمئن عليه.

قد تمر السنوات ولا تتذكر هذه الأم تفاصيل ذلك اليوم، وربما تنسى وجه الطبيب الذي قابلته مصادفة في الطريق.

أما أنا، فسأظل أتذكرها.

سأتذكر أنني خرجت في يوم عادي، فقابلت إنسانة لا أعرفها، ثم انتهى اليوم وأنا أشاهد حياة جديدة تبدأ أمامي.

وفي مثل هذه المواقف يتجدد بداخلي المعنى الحقيقي لمهنة الطب.

فالطبيب ليس فقط من يستقبل مريضه داخل العيادة، أو يقف أمامه في غرفة العمليات، وإنما هو من يدرك أن مسؤوليته الإنسانية قد تبدأ في أي مكان، وفي أي وقت، ومع إنسان ربما لم يلتقِ به من قبل ولن يلتقيه مرة أخرى.

ربما لا تسجل الملفات الطبية كل هذه التفاصيل، ولا تحمل الأوراق شيئًا عن المشاعر التي تصاحبها..

لكن بعض المواقف لا تحتاج إلى ملف حتى تبقى؛ لأنها تُكتب مباشرة في القلب.

«والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابًا وخير أملًا»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top