من الماء المغلي إلى الكلوزابين.. كيف تحولت الترندات إلى قنابل صحية تهدد أبناءنا؟

ترندات الموت الرقمي.. أطفال ومراهقون يدفعون الثمن من أجسادهم وحياتهم

تقرير: رجاء ناجي

في كل بضعة أشهر يظهر “ترند” جديد على مواقع التواصل الاجتماعي، يجذب ملايين المشاهدات خلال ساعات قليلة، ثم يتحول إلى سلوك يقلده آلاف الأطفال والمراهقين والشباب دون إدراك لحجم المخاطر الصحية والنفسية الكامنة وراءه.

مرة يكون التحدي هو سكب الماء المغلي على اليد لإثبات الحب والوفاء، ومرة أخرى القفز أمام السيارات أو الرقص بجوارها أثناء سيرها، ثم تظهر تحديات الخنق، أو إلقاء الكراسي، أو تناول أدوية وعقاقير طبية خارج الإشراف الطبي، وكلها تنتهي غالبًا بإصابات خطيرة أو إعاقات دائمة أو حتى وفيات.

ومع ظهور ترند جديد خلال الأيام الأخيرة يروج لاستخدام أدوية تحتوي على مادة “الكلوزابين” بهدف النوم والتخلص من الأرق، تتجدد المخاوف من تحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى منصة لترويج سلوكيات وعلاجات خطيرة تهدد صحة الشباب والمراهقين.

من اللعب بالنار إلى اللعب بالعقاقير

قبل سنوات انتشر عالميًا ما عرف بـ”تحدي الماء الساخن”، حيث يقوم الأطفال أو المراهقون بسكب مياه شديدة السخونة على أجسادهم أو أجساد أصدقائهم وتصوير ردود الفعل بهدف تحقيق مشاهدات مرتفعة.

وفي دول عديدة سجلت المستشفيات عشرات الإصابات بحروق من الدرجة الثانية والثالثة نتيجة هذا التحدي.

كما ظهر “تحدي الخنق” الذي يعتمد على حبس النفس أو الضغط على الرقبة لفترة قصيرة للوصول إلى حالة من الدوار أو فقدان الوعي، وهو تحدٍ تسبب في وفيات موثقة بين أطفال ومراهقين حول العالم.

ثم ظهرت تحديات أخرى مثل القفز من سيارات متحركة أو الرقص بجوارها، وإلقاء الكراسي في الهواء بين مجموعات من الطلاب، وصولًا إلى تناول مواد أو أدوية مجهولة التأثير لتحقيق الشهرة أو الانضمام إلى موجة الترند.

لكن الأخطر أن هذه الترندات لم تعد تقتصر على السلوكيات الجسدية الخطرة، بل امتدت إلى العبث المباشر بالأدوية والعقاقير الطبية.

من الماء المغلي إلى الكلوزابين.. كيف تحولت الترندات إلى قنابل صحية تهدد أبناءنا؟

الكلوزابين.. دواء نفسي خطير يتحول إلى ترند

الترند الجديد الذي أثار قلق الأطباء خلال الأيام الماضية يتمثل في تداول نصائح ومقاطع فيديو تشجع على استخدام أدوية تحتوي على مادة “كلوزابين” بهدف علاج الأرق أو الحصول على نوم عميق.

ورغم أن البعض يتعامل معه باعتباره مجرد منوم، فإن الحقيقة الطبية مختلفة تمامًا.

فالكلوزابين يعد من الأدوية النفسية القوية المستخدمة أساسًا لعلاج مرض الفصام المقاوم للعلاج، وهو من أكثر الأدوية النفسية التي تتطلب رقابة طبية صارمة ومتابعة دورية للمريض.

ولا يُصرف هذا الدواء في العديد من الدول إلا تحت إشراف طبي متخصص مع إجراء تحاليل دم منتظمة بسبب احتمالية حدوث مضاعفات خطيرة.

لماذا يمثل الكلوزابين خطرًا حقيقيًا؟

يؤكد الأطباء أن استخدام الكلوزابين دون إشراف طبي قد يؤدي إلى مضاعفات صحية خطيرة تشمل:

* هبوطًا حادًا في ضغط الدم.

* اضطرابات في ضربات القلب.

* زيادة كبيرة في الوزن.

* ضعف التركيز والذاكرة.

* تشنجات عصبية.

* اضطرابات استقلابية شديدة.

* الاعتماد النفسي على الدواء.

* حالات تسمم دوائي قد تستدعي دخول العناية المركزة.

كما أن التوقف المفاجئ عن استخدامه بعد الاعتياد عليه قد يسبب اضطرابات نفسية وعصبية معقدة.

الأطفال والمراهقون الأكثر عرضة للخطر

تكمن الخطورة الأكبر في أن جمهور مواقع التواصل الاجتماعي يضم ملايين الأطفال والمراهقين الذين لا يمتلكون الوعي الكافي للتمييز بين المعلومة الطبية الصحيحة والمحتوى المضلل.

وتشير دراسات دولية إلى أن المراهقين أكثر قابلية لتقليد السلوكيات الخطرة المنتشرة عبر الإنترنت بسبب الرغبة في الانتماء الاجتماعي وتحقيق القبول بين الأقران والحصول على التفاعل والمشاهدات.

كما أن خوارزميات المنصات الرقمية قد تساهم في تضخيم انتشار هذه المحتويات عبر اقتراحها لمستخدمين جدد بمجرد مشاهدة مقطع واحد مرتبط بها.

عندما يصبح الترند أقوى من الطبيب

المشكلة لا تكمن فقط في انتشار المعلومات الخاطئة، بل في تحول بعض المؤثرين وصناع المحتوى إلى مصادر بديلة للمعلومات الصحية.

فبدلًا من استشارة الطبيب أو الصيدلي، أصبح بعض الشباب يلجأون إلى مقاطع قصيرة لا تتجاوز ثوانٍ معدودة لاتخاذ قرارات قد تؤثر على صحتهم وحياتهم.

ويحذر متخصصون من أن هذا السلوك يمثل أحد أخطر تحديات الصحة العامة الحديثة، خاصة مع الانتشار السريع للمحتوى غير الموثق.

اقرأ ايضًا: “سموم في كبسولات”.. كواليس تجارة أدوية التخسيس المغشوشة على السوشيال ميديا

مسؤولية مشتركة

يرى خبراء الصحة أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب تحركًا جماعيًا من الأسرة والمدرسة والمؤسسات الصحية والإعلامية ومنصات التواصل الاجتماعي.

فالرقابة الأسرية، والتثقيف الصحي داخل المدارس والجامعات، وتعزيز المحتوى العلمي الموثوق، كلها أدوات أساسية للحد من انتشار الترندات الخطرة.

كما أن هناك حاجة ملحة لتشديد الرقابة على المحتوى الذي يروج لاستخدام الأدوية خارج الإشراف الطبي أو يشجع على سلوكيات قد تؤدي إلى الإصابة أو الوفاة.

الترند قد يختفي.. لكن الأضرار تبقى

قد تستمر بعض الترندات أيامًا أو أسابيع قبل أن تختفي، لكن آثارها الصحية والنفسية قد تستمر سنوات وربما مدى الحياة.

فالحروق لا تختفي بسهولة، وإصابات الدماغ الناتجة عن تحديات الخنق قد تكون دائمة، والتسممات الدوائية قد تنتهي بفشل عضوي أو وفاة.

ولهذا يؤكد الأطباء أن أخطر ما في هذه التحديات أنها تقدم الخطر في صورة تسلية أو موضة عابرة، بينما الحقيقة أنها قد تكون بوابة إلى كارثة صحية حقيقية.

وفي زمن أصبحت فيه المشاهدة الواحدة قادرة على إشعال موجة عالمية خلال ساعات، يبقى الوعي الصحي هو خط الدفاع الأول لحماية الأطفال والشباب من ترندات قد تبدأ بمقطع فيديو وتنتهي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top