نقطة نور،العام الجديد ليس رقما ..بل اختبار للوعي والإرادة

كيف نُحسن استقبال الزمن؟

أحمد إمام رئيس التحرير يكتب  :

مع كل عام جديد، تتجدد الأسئلة القديمة ذاتها: ماذا تغيّر؟ وماذا سيتغيّر؟ وهل يكفي أن نطوي صفحة التقويم لنبدأ صفحة مختلفة من حياتنا؟ الحقيقة التي كثيرا  ما نتغافل عنها أن الزمن، في حد ذاته، لا يصنع المعجزات، وأن الأعوام لا تحمل خلاصًا تلقائيًا لمن لا يمتلك رؤية وإرادة وفعلًا واعيًا.

استقبال العام الجديد ليس طقسا احتفاليا عابرا ، ولا مناسبة للوعود المؤجلة، بل هو لحظة وعي تستدعي التوقف والمراجعة..مراجعة صادقة لا تقوم على جلد الذات أو تبرير الإخفاق، وإنما على قراءة هادئة لما جرى، واستخلاص الدروس مما تحقق وما تعثّر، فالعام الذي انقضى لم يكن عبئًا يجب التخلص منه، بل تجربة إنسانية كاملة، تحمل في طياتها إشارات وإجابات لمن يحسن الإنصات.

أولى خطوات استقبال العام الجديد هي تحرير الوعي من وهم الزمن ..فكم من أعوام مرّت ونحن ننتظر أن تحمل معها التغيير، بينما ظلّت العادات ذاتها، والقرارات المؤجلة ذاتها، وأنماط التفكير الجامدة لم تمسّها يد التطوير، التغيير الحقيقي لا يبدأ في يناير ولا ينتهي في ديسمبر، بل يبدأ حين يدرك الإنسان – فردًا أو مجتمعًا – أن التقدم نتاج قرارات شجاعة، ومسئولية مستمرة، وعمل تراكمي لا يعرف القفز فوق المراحل.

ومن هنا، يصبح الأمل ضرورة، ولكن الأمل الواعي لا الأمل الساذج، الأمل الذي يعترف بصعوبة الواقع، ويقرّ بتعقيد التحديات، لكنه في الوقت ذاته يرفض الاستسلام.

فالتفاؤل الحقيقي لا يعني إنكار المشكلات، بل الإيمان بقدرتنا على إدارتها والتغلب عليها بخطط واضحة وأهداف قابلة للتحقق ، خطوة صغيرة منضبطة كل يوم قد تصنع، مع مرور الوقت، تحولًا كبيرًا يفوق أثر القرارات المتسرعة أو الشعارات اللامعة.

كما أن استقبال العام الجديد يقتضي تصالحًا ضروريا ، تصالحا  مع الذات قبل كل شيء، ومع الآخرين بقدر الإمكان ..فالكراهية والغضب والصراعات المفتوحة تستنزف الطاقة، وتشوّش الرؤية، وتُثقل المسار ، وليس المقصود هنا التغاضي عن الحقوق أو تجاهل الأخطاء، بل إدارة الخلاف بوعي، وغلق ما يمكن غلقه من ملفات استهلكت وقتا وجهدا  دون جدوى.

وعلى المستوى المجتمعي، يصبح العام الجديد فرصة لإعادة طرح السؤال الأهم: أي مستقبل نريد؟ ليس من زاوية الأمنيات، بل من زاوية الأدوار والمسئوليات ، فالأوطان لا تتقدم بالأماني وحدها، بل حين يشعر كل فرد أن له دورًا، وأن عليه واجبا ، وأن الإصلاح يبدأ من موقعه مهما بدا صغيرا، الوعي الجمعي حين ينضج، يتحول إلى قوة دفع حقيقية، قادرة على تحويل التحديات إلى فرص.

في النهاية، يبقى السؤال الجوهري الذي ينبغي أن يصاحبنا مع بداية كل عام:

من نريد أن نكون في نهايته؟ أكثر وعيا ؟ أكثر انضباطا ؟ أكثر قدرة على الفعل الإيجابي؟ الإجابة الصادقة عن هذا السؤال هي البوصلة الحقيقية لعبور الزمن.

وأخيرا ..فان العام الجديد لا يأتي ليغيرنا تلقائيا ، بل يمنحنا فرصة جديدة لنغير أنفسنا ،

إن العام الجديد نحن من نغيره حين نقرر أن نكون أفضل مما كنا ، خطوة حقيقية واحدة في كل يوم ، ومن يحسن استقبال الزمن بعقل واعٍ وإرادة مسئولة ، هو وحده القادر على تحويل الأيام القادمة من مجرد أرقام على التقويم إلى خطوات حقيقية نحو مستقبل أفضل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top