21 مليون فحص ليس رقمًا… بل تغيير ثقافة صحية ومواجهة مبكرة لأخطر الأمراض المزمنة

لم يعد فحص أكثر من 21 مليون مواطن مجرد رقم في إحصائية رسمية، بل يعكس تحولًا حقيقيًا في ثقافة المجتمع تجاه الصحة، وانتقالًا من علاج المرض بعد حدوثه إلى الوقاية والكشف المبكر قبل أن تتحول الأمراض المزمنة إلى خطر يهدد حياة الملايين.

فقد أعلنت وزارة الصحة والسكان أن عدد المواطنين الذين خضعوا للفحص ضمن المبادرة الرئاسية للكشف المبكر عن الأمراض المزمنة والاعتلال الكلوي تجاوز 21.1 مليون مواطن منذ إطلاق المبادرة في 2021، في واحدة من أكبر حملات الفحص الوقائي في تاريخ المنظومة الصحية، تستهدف حماية المواطنين من أمراض تمثل البوابة الرئيسية لمعظم المضاعفات الخطيرة

الأمراض المزمنة… بوابة أمراض أخطر

الأمراض المزمنة مثل ارتفاع ضغط الدم والسكري وارتفاع الدهون ليست أمراضًا عادية، بل تعد المدخل الأساسي للإصابة بمضاعفات تهدد القلب والمخ والكلى والأوعية الدموية، وقد تظل لسنوات دون أعراض واضحة، وهو ما يجعل الكشف المبكر هو الوسيلة الوحيدة لتجنب نتائج خطيرة قد تصل إلى الفشل الكلوي أو الجلطات أو أمراض القلب.

ولهذا جاءت المبادرة الرئاسية لتغيير المفهوم السائد لدى كثير من المواطنين، الذي يربط زيارة الطبيب بظهور الأعراض فقط، بينما يعتمد الطب الحديث على الفحص المبكر حتى في حالة الشعور بالصحة.

الاعتلال الكلوي… الخطر الصامت

يعد الاعتلال الكلوي من أخطر المضاعفات المرتبطة بالأمراض المزمنة، خاصة لدى مرضى السكر وارتفاع ضغط الدم، حيث تتأثر الكلى تدريجيًا دون أن يشعر المريض بأي أعراض في البداية، ثم تظهر المشكلة بعد وصول الحالة إلى مراحل متقدمة قد تحتاج إلى غسيل كلوي أو زراعة كلى.

وتشير التقديرات الطبية إلى أن نسبة كبيرة من حالات الفشل الكلوي كان يمكن تجنبها إذا تم اكتشاف المرض مبكرًا، وهو ما دفع الدولة إلى إدراج فحوصات وظائف الكلى ضمن المبادرة، إلى جانب قياس الضغط والسكر والدهون ومؤشر كتلة الجسم.

تغيير ثقافة المجتمع قبل علاج المرض

المبادرة لا تقتصر على إجراء الفحوصات فقط، بل تعتمد على نشر الوعي الصحي بين المواطنين، من خلال شرح عوامل الخطورة، وتصحيح العادات الغذائية الخاطئة، والتأكيد على أهمية المتابعة الدورية، خاصة لمن تجاوزوا سن الأربعين أو لديهم تاريخ عائلي مع الأمراض المزمنة.

وتعمل المبادرة من خلال آلاف وحدات الرعاية الأولية المنتشرة في جميع المحافظات، لتكون الخدمة قريبة من المواطن، دون أعباء مالية، مع توفير العلاج مجانًا للحالات التي يتم اكتشافها، وتحويل الحالات التي تحتاج تدخلًا متخصصًا إلى المستشفيات على نفقة الدولة.

الوقاية أقل تكلفة… وأكثر أمانًا

تؤكد التجارب العالمية أن الوقاية والكشف المبكر يوفران على الدولة والمواطن أضعاف تكلفة العلاج، كما يقللان من معدلات الإعاقة والوفيات الناتجة عن الأمراض المزمنة، وهو ما يجعل الاستثمار في الوعي الصحي أحد أهم عناصر بناء نظام صحي قوي.

ولهذا تستمر الدولة في التوسع في المبادرات الوقائية، ليس فقط لزيادة عدد الفحوصات، ولكن لتغيير سلوك المجتمع، وترسيخ ثقافة أن الصحة تبدأ قبل المرض، وأن زيارة الوحدة الصحية للاطمئنان لا تقل أهمية عن زيارة الطبيب للعلاج.

وفي النهاية، فإن فحص أكثر من 21 مليون مواطن يعني أن ملايين الأسر أصبحت أكثر وعيًا، وأكثر قدرة على حماية نفسها من أخطر الأمراض، وهو ما يمثل خطوة حقيقية نحو مجتمع أكثر صحة وأمانًا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top