118 مليون خدمة في محافظات المرحلة الأولى.. والمنيا تفتح الباب للمرحلة الثانية وسط تحدٍ أكبر: هل تستطيع مصر تسريع التغطية في مواجهة ارتفاع تكاليف العلاج؟
قبل ست سنوات، لم يكن إطلاق التأمين الصحي الشامل في بورسعيد مجرد إضافة نظام تأميني جديد إلى عشرات البرامج والخدمات الصحية القائمة، وإنما كان بداية محاولة لإعادة بناء الطريقة التي يحصل بها المصري على الرعاية الصحية من الأساس.
حلم التأمين الصحي الشامل انتظره المصريون لعقود.
فعلى مدار سنوات طويلة، عانى النظام الصحي من تعدد جهات تقديم وتمويل الخدمة، وتفاوت مستوى الرعاية بين مكان وآخر، واعتماد قطاع من المواطنين على الإنفاق المباشر من جيوبهم، فيما تحركت الدولة عبر مسارات متعددة لمواجهة المشكلات الأكثر إلحاحًا، من تطوير المستشفيات وزيادة قدراتها إلى المبادرات الرئاسية وقوائم الانتظار والكشف المبكر.
حققت هذه التدخلات نتائج مهمة، لكنها لم تكن في حد ذاتها بديلًا عن الإصلاح الهيكلي للنظام الصحي بأكمله.
وكان السؤال الأكبر: هل يمكن الانتقال من التعامل مع المرض والمريض حالةً بحالة، إلى منظومة يعرف فيها كل مواطن أين يبدأ رحلة العلاج، ومن المسؤول عن خدمته، وكيف ينتقل من طبيب الأسرة إلى المستشفى والتخصص الدقيق، ومن يتحمل تكلفة العلاج؟
هنا جاءت فلسفة التأمين الصحي الشامل.
يوليو 2019.. عندما بدأ الحلم من بورسعيد
في الأول من يوليو 2019 بدأ التشغيل التجريبي للمنظومة الجديدة في بورسعيد، قبل الانتقال إلى التشغيل الرسمي في نوفمبر من العام نفسه. وفي فبراير 2021 امتدت المنظومة إلى الأقصر والإسماعيلية وجنوب سيناء، ثم بدأ التشغيل التجريبي في السويس وأسوان في نوفمبر 2022، قبل التشغيل الرسمي للسويس في ديسمبر 2024 وأسوان في يوليو 2025.
وهكذا اكتملت خريطة المرحلة الأولى في ست محافظات: بورسعيد، الأقصر، الإسماعيلية، جنوب سيناء، السويس وأسوان.
وبعد ست سنوات من التجربة، تقول هيئة الرعاية الصحية إن منشآتها في محافظات المرحلة الأولى قدمت 118 مليون خدمة طبية وعلاجية.
لكن الرقم، على ضخامته، لا يروي القصة كاملة.
فالقيمة الحقيقية للتجربة تكمن فيما حاول النظام الجديد تغييره في علاقة المواطن بالخدمة الصحية.
قبل «الشامل».. المريض يبحث عن باب للعلاج
لعل أحد أكبر الاختلافات التي استهدفها النظام الجديد هو إنهاء فكرة أن يبدأ المريض رحلته بالبحث بنفسه عن المستشفى أو الجهة التي يمكن أن تستقبله.
في النظام المجزأ، كان المواطن قد يجد نفسه أمام عدة مسارات: مستشفى حكومي، أو تأمين صحي تقليدي لمن تشملهم مظلته، أو علاج على نفقة الدولة، أو مستشفى جامعي، أو قطاع خاص إذا استطاع تحمل تكلفته.
أما التأمين الصحي الشامل فيحاول بناء مسار علاجي محدد للمواطن
تبدأ الرحلة في الحالات غير الطارئة من وحدة أو مركز طب الأسرة المرتبط به المواطن، حيث يحصل على الرعاية الأولية، ثم تتم إحالته إلى مستوى أعلى من الخدمة إذا احتاج إلى طبيب متخصص أو مستشفى أو تدخل أكثر تقدمًا.
أما الطوارئ فلها مسارها المباشر.
وهذا التحول يبدو إداريًا في ظاهره، لكنه في الحقيقة يمثل جوهرًا مهمًا من إصلاح النظام الصحي: بدلًا من أن يبحث المريض عن الخدمة، تصبح المنظومة مسؤولة عن توجيهه داخل شبكة الرعاية.

طبيب الأسرة.. تغيير فلسفة العلاج
ومن أهم التحولات التي جاء بها النظام إعادة وضع الرعاية الصحية الأولية وطب الأسرة في مقدمة المنظومة.
فالمستشفى ليس من المفترض أن يكون الباب الأول لكل شكوى صحية، والطوارئ ليست عيادة خارجية، والطبيب المتخصص ليس ضروريًا لكل حالة.
يبدأ المواطن من مستوى الرعاية الأولية، ويحصل على الخدمة في المكان المناسب، ثم ينتقل عبر الإحالة عند الحاجة.
وتساعد هذه الفلسفة، عندما تعمل بكفاءة، على تخفيف الضغط عن المستشفيات، واكتشاف الأمراض مبكرًا، ومتابعة الأمراض المزمنة، وتحسين الوقاية، وفي الوقت نفسه تقليل الإنفاق غير الضروري على خدمات مرتفعة التكلفة.
لكن نجاح هذه الفلسفة يرتبط بشرط بالغ الأهمية: أن تكون وحدات ومراكز طب الأسرة كافية عدديًا، موزعة بصورة مناسبة، ومجهزة بالكوادر القادرة على استيعاب حجم المنتفعين.
وهنا ظهرت واحدة من الدروس التي ينبغي الاستفادة منها مع التوسع المقبل: ارتفاع الكثافات في بعض نقاط تقديم الخدمة قد يتحول إلى قوائم انتظار وضغط على الكوادر، وهو ما يجعل التخطيط لعدد منشآت الرعاية الأولية وقدرتها التشغيلية مسألة أساسية، لا مجرد توسع في المباني.
ليس تأمينًا فقط.. بل إعادة بناء للنظام الصحي
الخطأ هو النظر إلى المشروع باعتباره مجرد بطاقة تأمين تسمح للمواطن بالحصول على العلاج.
فالمنظومة الجديدة قامت على فصل الوظائف الرئيسية للنظام بين جهات مختلفة: جهة للتمويل وشراء الخدمات، وجهة لتقديم الرعاية، وجهة مستقلة للاعتماد والرقابة على الجودة.
وهذه واحدة من أهم نقاط الاختلاف الهيكلي عن النظم السابقة.
فالمطلوب ليس فقط أن توجد مستشفى، وإنما أن تستوفي معايير الجودة حتى تستطيع العمل داخل المنظومة، وأن تكون الخدمة المقدمة قابلة للقياس والرقابة والتمويل وفق قواعد محددة.
وهنا ينتقل مفهوم الإصلاح من «زيادة عدد المستشفيات» إلى بناء نظام يحكم العلاقة بين الممول ومقدم الخدمة والمريض والجهة الرقابية.
من العلاج على نفقة الدولة إلى مظلة تأمينية موحدة
ويحمل المشروع هدفًا اجتماعيًا أكبر: أن يصبح الحصول على العلاج حقًا مؤسسيًا داخل منظومة تأمينية وليس رحلة بحث عن وسيلة لتمويل كل أزمة صحية عند وقوعها.
فالغاية النهائية، عندما يكتمل التطبيق في الجمهورية، أن يكون المصريون تحت مظلة نظام واحد، مع تحمل الدولة اشتراكات غير القادرين، وأن يحصل المنتفع على حزمة الخدمات التي تقرها المنظومة وفق احتياجاته الطبية.
وهنا تحديدًا تظهر أهمية المشروع في الوقت الحالي.
فمع ارتفاع تكلفة الأدوية والفحوصات والجراحات والخدمات الطبية، يمكن أن تتحول إصابة واحدة بمرض خطير إلى عبء مالي هائل على أسرة متوسطة الدخل.
لذلك لم يعد التسريع في التغطية الصحية مجرد ملف لتحسين الخدمات، وإنما أصبح أيضًا قضية حماية اجتماعية للأسر من مخاطر الإنفاق الصحي الكبير.
ماذا حدث خلال السنوات الست؟
وفق أحدث حصاد أعلنته هيئة الرعاية الصحية، قدمت منشآتها 118 مليون خدمة طبية وعلاجية في محافظات المرحلة الأولى.
وخلال رحلة التوسع، جرى تطوير منشآت الرعاية الأولية والمستشفيات، وإدخال تخصصات دقيقة وفائقة التخصص وتقنيات طبية حديثة، إلى جانب العمل على اعتماد المنشآت وفق معايير الجودة.
وتكشف بيانات أحدث منشورة في 2026 أن هيئة الرعاية الصحية أصبحت تدير في محافظات المرحلة الأولى أكثر من 400 منشأة للرعاية الأولية و52 مستشفى، بينها 5 مجمعات طبية، وأن المنظومة تقدم خدماتها لأكثر من 6 ملايين منتفع بهذه المحافظات.
والهدف من توطين التخصصات المتقدمة في المحافظات لا يتعلق فقط بإضافة خدمات جديدة؛ فكل خدمة معقدة يمكن تقديمها داخل المحافظة تعني تقليل حاجة المريض إلى السفر إلى القاهرة أو مركز طبي بعيد بحثًا عن العلاج.
وهو معيار مهم يجب أن يقاس به نجاح التجربة: هل أصبح المريض يحصل على قدر أكبر من احتياجاته العلاجية داخل محافظته؟
118 مليون خدمة.. لكن الرقم وحده لا يكفي
ومع ذلك، فإن تقييم ست سنوات من التأمين الصحي الشامل لا ينبغي أن يتحول إلى سباق للأرقام.
118 مليون خدمة رقم مهم، لكنه لا يخبرنا وحده عن مدة انتظار المريض، وسهولة حجز الخدمة، ونسب الإحالة، وتوافر الأطباء والتخصصات، ورضا المنتفعين، ومعدلات الشكاوى، واستمرارية توافر الدواء، والفروق بين محافظة وأخرى.
فالمرحلة الأولى ينبغي النظر إليها باعتبارها أيضًا مختبرًا ضخمًا كشف نقاط القوة ومواطن الضغط التي يجب علاجها قبل نقل النموذج إلى محافظات ذات كثافات سكانية أكبر.
ومن الطبيعي أن تظهر تحديات في مشروع بهذا الحجم. القضية ليست في وجود المشكلات بحد ذاته، وإنما في قدرة النظام على قياسها والإفصاح عنها وتصحيحها قبل التوسع.

من المحافظات الأصغر إلى الاختبار الأصعب
وهنا نصل إلى أهم ما ينتظر التأمين الصحي الشامل بعد السنوات الست الأولى.
فقد انتقلت مصر بالفعل إلى المرحلة الثانية، وبدأ التشغيل التجريبي في المنيا في يونيو 2026 باعتبارها أولى محافظاتها.
والمنيا ليست مجرد محافظة جديدة تضاف إلى الخريطة.
إنها اختبار مختلف في الحجم.
وزير الصحة الدكتور خالد عبدالغفار قال في يوليو 2026 إن عدد سكان المنيا يقترب من 7 ملايين نسمة، أي ما يقارب في حجمه إجمالي سكان المحافظات الست التي شملتها المرحلة الأولى، مشيرًا إلى أن تكلفة المرحلة الثانية تقدر بنحو 160 مليار جنيه.
وبدأت المرحلة الأولى من التشغيل التجريبي في المنيا عبر 10 مستشفيات و60 وحدة ومركز طب أسرة، مع خطة للوصول إلى 100 وحدة ومركز، بحسب البيانات المنشورة عند بدء التشغيل.
وبذلك تنتقل المنظومة من اختبار النموذج في مجموعة محافظات أقل كثافة نسبيًا إلى مواجهة واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا: كيف يعمل النموذج نفسه عندما يدخل محافظة واحدة تضم ملايين المواطنين؟
التحدي الأخطر.. الزمن
وربما يكون هذا هو السؤال الأكثر أهمية بعد ست سنوات من البداية.
ليس السؤال فقط: هل نجحت التجربة في المحافظات التي دخلت المنظومة؟
ولكن أيضًا: متى سيحصل باقي المصريين على الميزة نفسها؟
عندما بدأ تصميم المنظومة، كان الجدول الأصلي المنشور لتطبيق قانون التأمين الصحي الشامل يتحدث عن تطبيق على ست مراحل وصولًا إلى جميع المحافظات بحلول 2032، بينما أعلنت الحكومة لاحقًا استهداف تسريع التغطية إلى 2030.
لكن الواقع العملي يوضح حجم التحدي
بعد سنوات من بدء بورسعيد، اكتملت المرحلة الأولى في ست محافظات، وبدأت المنيا فقط في 2026 فتح صفحة المرحلة الثانية.
ومع انتقال التطبيق مستقبلًا إلى محافظات ضخمة سكانيًا مثل القاهرة والجيزة والقليوبية والإسكندرية وغيرها، تصبح متطلبات البنية التحتية والكوادر والتمويل والتجهيز والاعتماد أكبر بكثير.
ومن هنا فإن الوقت ليس تفصيلًا إداريًا في المشروع، بل أحد أهم معايير نجاحه.
لماذا أصبح التسريع أكثر إلحاحًا؟
لأن المواطن الذي يعيش في محافظة لم تدخل المنظومة بعد لا يزال خارج المزايا الكاملة للنموذج الجديد.
وفي الوقت نفسه، ارتفعت تكلفة الرعاية الصحية بصورة تجعل الانتظار أكثر صعوبة، خصوصًا بالنسبة للأسر التي تضطر إلى شراء خدمات أو أدوية من القطاع الخاص عند عدم توافر البديل المناسب.
ومن ثم يصبح السؤال عن سرعة التنفيذ مرتبطًا مباشرة بمبدأ العدالة الصحية: كيف نقلص الفارق الزمني بين مواطن أصبح داخل المنظومة ومواطن ينتظر دوره في محافظة أخرى؟
والتسريع هنا لا ينبغي أن يعني التضحية بالجودة أو إطلاق محافظة قبل اكتمال جاهزيتها؛ بل يحتاج إلى قدرة أكبر على تنفيذ عدة مسارات بالتوازي: تطوير المنشآت، زيادة مراكز طب الأسرة، توفير الكوادر، التحول الرقمي، تسجيل المواطنين، اعتماد المنشآت وإشراك القطاع الخاص المؤهل.
القطاع الخاص جزء من الحل
ومع اتساع المحافظات المقبلة، سيكون من الصعب أن يعتمد التأمين الصحي الشامل على منشآت الدولة وحدها.
ففلسفة النظام تسمح بشراء الخدمة من مقدمين مؤهلين من القطاعات المختلفة، بشرط استيفاء متطلبات الجودة والانضمام إلى المنظومة.
وقد بدأت بالفعل استعدادات المرحلة الثانية في المنيا تتضمن العمل على تعزيز مشاركة القطاع الخاص وجاهزية المنشآت للانضمام وفق معايير الاعتماد.
ويمكن أن يصبح ذلك أحد مفاتيح تسريع التغطية: الدولة لا تحتاج إلى بناء كل سرير بنفسها، لكنها تحتاج إلى ضمان أن كل سرير تشتري منه الخدمة يقدمها بالمستوى الذي تفرضه المنظومة.
المرحلة الأولى ليست نهاية القصة
لذلك، فإن حملة هيئة الرعاية الصحية «قصة الشامل.. 6 سنين نجاح ومكملين» تفتح بابًا يتجاوز الاحتفاء بحصاد السنوات الماضية.
نعم، هناك قصة تستحق التوثيق: مشروع بدأ من بورسعيد ووصل إلى ست محافظات، وقدم عشرات الملايين من الخدمات، وأعاد بناء منشآت، وأدخل تخصصات وتقنيات، ورسخ مفهوم طبيب الأسرة والاعتماد والجودة.
لكن هناك قصة أخرى يجب أن تبدأ الآن: كيف نختصر الطريق إلى بقية الجمهورية؟
فالاختبار الحقيقي للتأمين الصحي الشامل لن يكون فقط في نجاح بورسعيد أو الأقصر أو الإسماعيلية أو جنوب سيناء أو السويس أو أسوان، وإنما في قدرة الدولة على نقل المستوى نفسه من التنظيم والجودة والحماية المالية إلى عشرات الملايين من المواطنين في المحافظات الأكبر.
وبدء المنيا، بما تمثله من ثقل سكاني، سيكون أول اختبار حقيقي لهذه القدرة.
من بورسعيد إلى أسوان.. ثم المنيا.. والحلم هو كل مصر

بعد ست سنوات، تغير الكثير.
أصبح هناك نموذج عملي يمكن قياسه وتطويره، وأصبح ملايين المواطنين يعيشون بالفعل داخل منظومة مختلفة عن تلك التي كانت قائمة قبل يوليو 2019.
لكن حلم التأمين الصحي الشامل لا يتحقق عندما تنجح ست محافظات، ولا حتى عندما تنجح مرحلة كاملة؛ يتحقق عندما يصبح مكان إقامة المواطن غير مؤثر في حقه في الحصول على الرعاية.
حين يستطيع المواطن، في أي قرية أو مدينة، أن يعرف أين يذهب عندما يمرض، وأن يجد طبيب الأسرة، وأن ينتقل بالإحالة إلى التخصص الذي يحتاجه، وأن يستقبله المستشفى عندما تستدعي حالته، وأن يحصل على العلاج دون أن تتحول الفاتورة الطبية إلى أزمة مالية لأسرته؛ عندها فقط يكون المشروع قد وصل إلى غايته.
ولهذا، وبعد أن أصبحت 118 مليون خدمة عنوانًا لحصاد المرحلة الأولى، ربما يكون الرقم الأهم في السنوات المقبلة مختلفًا تمامًا:
كم عامًا ستحتاج مصر حتى يصبح كل مواطن تحت مظلة التأمين الصحي الشامل؟
فبعد مرحلة إثبات أن النموذج يمكن أن يعمل، يبدأ التحدي الأصعب: أن يصل إلى الجميع، بالسرعة التي يحتاجها المصريون، وبالجودة التي وُعدوا بها.



