الصحة: تدريب القارة السمراء للقضاء علي الالتهاب الكبدي الوبائي
لم تعد التجربة المصرية في القضاء على فيروس الالتهاب الكبدي الوبائي «سي» مجرد نجاح صحي محلي، بل أصبحت نموذجًا دوليًا يحتذى به، تسعى دول عديدة إلى الاستفادة منه في مواجهة أحد أخطر الأمراض المزمنة التي كانت تمثل عبئًا صحيًا واقتصاديًا على ملايين المواطنين.
وفي هذا السياق، تستضيف وزارة الصحة والسكان خلال الفترة من 21 إلى 25 يونيو 2026، الورشة المهنية الخامسة لبرنامج القضاء على الالتهاب الكبدي الفيروسي، بالتعاون مع المركز الأفريقي لمكافحة الأمراض والوقاية منها (Africa CDC) ووكالة التعاون الدولي الكورية (KOICA)، بمشاركة كوادر صحية ومديري برامج وأطباء ومستشاري سياسات من عدد من الدول الأفريقية، بهدف نقل الخبرات المصرية الناجحة في مكافحة فيروسي الالتهاب الكبدي «بي» و«سي».
تجربة غيرت خريطة المرض
على مدار سنوات، نجحت مصر في تنفيذ واحدة من أكبر المبادرات الصحية في العالم للقضاء على فيروس «سي»، حيث تمكنت من فحص أكثر من 63 مليون مواطن ضمن حملات الكشف المبكر، وعلاج نحو 5.5 مليون مصاب، في إنجاز غير مسبوق عالميًا من حيث حجم المستفيدين وسرعة التنفيذ.
واعتمدت التجربة المصرية على استراتيجية متكاملة شملت التوسع في الفحص المبكر المجاني، وتوفير العلاج لجميع المصابين، وتطوير منظومة رقمية دقيقة لمتابعة الحالات، إلى جانب تعزيز خدمات الرعاية الصحية الأولية وبرامج الوقاية ومنع انتقال العدوى.
خفض تكلفة العلاج بنسبة تتجاوز 95%
ومن أبرز عوامل نجاح التجربة المصرية، التوسع في التصنيع المحلي لأدوية علاج فيروس «سي»، ما أدى إلى خفض تكلفة علاج المريض من نحو 900 دولار إلى ما يقرب من 40 دولارًا فقط، بنسبة انخفاض تجاوزت 95%.
هذا التحول مكّن الدولة من توسيع نطاق العلاج ليشمل ملايين المرضى، وساهم في تحقيق واحدة من أعلى معدلات التشخيص والعلاج السنوية على مستوى العالم، لتصبح مصر نموذجًا يحتذى في إتاحة العلاج بتكلفة منخفضة وكفاءة عالية.
إشادة دولية وشهادة من منظمة الصحة العالمية
وتوجت مصر هذا النجاح بحصولها على شهادة المستوى الذهبي من منظمة الصحة العالمية في أكتوبر 2023، تقديرًا لنجاحها في القضاء على فيروس الالتهاب الكبدي «سي» كمشكلة صحية عامة.
وتسلم الرئيس عبد الفتاح السيسي الشهادة من الدكتور تيدروس أدهانوم غيبريسوس، المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، في اعتراف دولي بواحد من أهم الإنجازات الصحية في تاريخ مصر الحديث.
كما أسهمت الجهود المصرية بصورة مباشرة في خفض عبء الإصابة بالفيروس داخل إقليم شرق المتوسط، الذي سجل أكبر تراجع عالمي في معدلات الإصابة خلال الفترة من 2015 إلى 2024، وفق المؤشرات الدولية.
مصر تنقل خبراتها إلى القارة الأفريقية
ويأتي تنظيم الورشة الأفريقية الجديدة تأكيدًا على الدور الإقليمي المتنامي لمصر في دعم الأنظمة الصحية بالقارة، حيث تسعى وزارة الصحة إلى مشاركة الدروس المستفادة من التجربة المصرية مع الدول الأفريقية، خاصة في مجالات الوقاية والتشخيص والعلاج وإدارة البيانات والتمويل المستدام.
وأكد الدكتور حسام عبدالغفار، المتحدث الرسمي لوزارة الصحة والسكان، أن استضافة مصر لهذه الورشة تعكس التزامها بدعم الجهود الأفريقية الرامية إلى القضاء على الالتهاب الكبدي الفيروسي بحلول عام 2030، من خلال بناء قدرات الكوادر الصحية وتبادل الخبرات الناجحة.
من جانبه، استعرض الدكتور محمد حساني، مساعد وزير الصحة والسكان لمشروعات ومبادرات الصحة العامة، أبرز عناصر النجاح في التجربة المصرية، مشيرًا إلى التكامل بين الوقاية والتشخيص والعلاج، والتغطية الواسعة للتطعيمات، ومنع انتقال العدوى من الأم إلى الطفل، والدعم السياسي القوي الذي وفر البيئة المناسبة لتحقيق هذا الإنجاز.
اقرأ ايضًا: تعاون الأفريقي مشترك لمكافحة سرطان الثدي وفيروس سي
نموذج للتعاون بين دول الجنوب
وأشاد مسؤولو المركز الأفريقي لمكافحة الأمراض والوقاية منها بالتجربة المصرية، مؤكدين أنها أصبحت نموذجًا رائدًا للتعاون بين دول الجنوب، ويمكن للدول الأفريقية الاستفادة منها وتكييفها بما يتناسب مع احتياجاتها الصحية الوطنية.
وبينما نجحت مصر في تحويل «فيروس سي» من تحدٍ صحي مزمن إلى قصة نجاح عالمية، تواصل اليوم أداء دورها كبيت خبرة إقليمي ينقل المعرفة والتجربة إلى الدول الأفريقية، دعمًا لأهداف التنمية الصحية وتحقيق مستقبل أكثر أمانًا واستدامة لشعوب القارة.



