لم تعد قوة الأنظمة الصحية الحديثة تُقاس فقط بعدد المستشفيات أو الأطباء، بل أصبحت قدرتها على تأمين الدواء والمستلزمات الطبية وقت الأزمات أحد أهم مؤشرات الأمن الصحي القومي. ومن هذا المنطلق، تنفذ مصر مشروع المخازن الطبية الاستراتيجية، الذي يُعد أحد أكبر مشروعات البنية التحتية الصحية واللوجستية في المنطقة، بهدف بناء منظومة متكاملة تضمن استدامة توافر الأدوية واللقاحات والمستلزمات والأجهزة الطبية في مختلف الظروف.
ويأتي المشروع استجابةً للدروس التي كشفتها جائحة كورونا، حين تعرضت سلاسل الإمداد العالمية لضغوط غير مسبوقة أدت إلى نقص أدوية ومستلزمات حيوية في العديد من الدول. وأكدت تلك الأزمة أن امتلاك مخزون استراتيجي وإدارة حديثة لسلاسل الإمداد لم يعد رفاهية، بل ضرورة لحماية الأمن الصحي وضمان استمرار تقديم الخدمات الطبية دون انقطاع.
وتعمل الدولة على إنشاء شبكة قومية تضم ستة مراكز استراتيجية موزعة جغرافيًا لتغطية مختلف أنحاء الجمهورية، بما يضمن سرعة الاستجابة وتوفير الاحتياجات الطبية في جميع المحافظات. ويُعد مركز العاصمة الإدارية الجديدة المحور الرئيسي لهذه الشبكة، حيث يتولى إدارة المخزون الاستراتيجي ومتابعة حركة الإمداد والتوزيع على مستوى الجمهورية.
ومن الناحية الطبية، لا يقتصر دور هذه المنشآت على تخزين الأدوية فحسب، بل تمتد أهميتها إلى الحفاظ على جودة المنتجات الصحية وسلامتها طوال دورة التخزين والتوزيع. فالكثير من الأدوية الحديثة واللقاحات والمنتجات البيولوجية تحتاج إلى درجات حرارة دقيقة وسلاسل تبريد مستمرة، وأي خلل في ظروف التخزين قد يؤثر على فعاليتها العلاجية أو سلامتها. ولهذا صُممت المخازن وفق معايير الممارسات الجيدة للتخزين والتوزيع (GSP وGDP)، مع أنظمة رقمية متطورة لمراقبة درجات الحرارة والرطوبة وتتبع المنتجات لحظيًا.
ويُعد المشروع من أكبر المشروعات الطبية اللوجستية في الشرق الأوسط، حيث تبلغ مساحة المخزن الرئيسي بالعاصمة الإدارية نحو 160 ألف متر مربع ضمن مشروع تبلغ مساحته الإجمالية أكثر من 457 ألف متر مربع، بينما تصل السعة التخزينية إلى نحو 190 ألف منصة تخزين (Pallets)، مع إمكانية التوسع مستقبلًا إلى 340 ألف منصة. كما تسمح المنظومة بتداول أكثر من 30 ألف صنف مختلف من الأدوية والمستلزمات والأجهزة الطبية.
وتشمل المنظومة مناطق تخزين متعددة التخصصات، تضم مخازن للأدوية التقليدية، وأخرى مبردة ومجمدة، ووحدات مخصصة للقاحات والمنتجات الحساسة للحرارة، بالإضافة إلى مناطق للفحص وضبط الجودة والعزل والتوزيع والشحن، بما يضمن الحفاظ على جودة المنتجات منذ استقبالها وحتى وصولها إلى المستشفيات والمنشآت الصحية.
وتكمن الأهمية الطبية الحقيقية للمشروع في قدرته على تعزيز جاهزية الدولة لمواجهة الطوارئ الصحية والأوبئة والكوارث. فوجود مخزون استراتيجي مُدار إلكترونيًا يتيح سرعة توفير الأدوية والمستلزمات الحرجة، ويقلل من مخاطر نقص الإمدادات الناتج عن الاضطرابات العالمية أو الأزمات الإقليمية، كما يمنح صانعي القرار رؤية دقيقة للاحتياجات الفعلية وحركة الاستهلاك والتوزيع.
وإلى جانب دوره الصحي، يدعم المشروع جهود التحول الرقمي في القطاع الطبي، حيث يعتمد على أنظمة متقدمة لإدارة المخزون والتنبؤ بالاحتياجات وتتبع المنتجات الدوائية، بما يسهم في تقليل الفاقد وتحسين كفاءة الإنفاق الحكومي وضمان الاستخدام الأمثل للموارد الطبية.

كما يحمل المشروع بعدًا استراتيجيًا يتجاوز الحدود المحلية، إذ تستهدف مصر أن تصبح مركزًا إقليميًا للخدمات اللوجستية الطبية وتوزيع الدواء في أفريقيا والشرق الأوسط، مستفيدة من موقعها الجغرافي وبنيتها التحتية المتطورة، بما يعزز مكانتها كمحور إقليمي لصناعة وتجارة الدواء والخدمات الصحية.
اقرأ ايضًا: هيئة الدواء و جلاكسو يبحثان توطين صناعة الدواء وتعزيز نقل التكنولوجيا
وفي النهاية، لا يمكن النظر إلى المخازن الطبية الاستراتيجية باعتبارها مجرد مستودعات لتخزين الأدوية، بل باعتبارها جزءًا أساسيًا من منظومة الأمن الصحي القومي. فكل عبوة دواء أو لقاح محفوظة وفق المعايير العالمية داخل هذه المنشآت تمثل عنصرًا إضافيًا في قدرة الدولة على حماية صحة المواطنين وضمان استمرار الخدمات الطبية مهما كانت التحديات.



