البلازما والخلايا الجذعية فتحتا آفاقًا جديدة لإعادة بناء الأنسجة التالفة
الطب التجديدي يغيّر قواعد علاج آلام الركبة.. الجراحة لم تعد الحل الأول
حوار: رجاء ناجي
لم تعد آلام الركبة وخشونة المفاصل مشكلة مرتبطة بكبار السن فقط، فعيادات علاج الألم تستقبل اليوم شبابًا في العشرينات والثلاثينات يشكون من خشونة مبكرة، وآلام مزمنة في الركبة والعمود الفقري، نتيجة تغيرات كبيرة في نمط الحياة، وقلة الحركة، وزيادة معدلات السمنة.
وفي السنوات الأخيرة، تطورت وسائل العلاج بصورة غير مسبوقة، ولم يعد الحل الأول هو الجراحة أو تغيير المفصل، بل ظهر اتجاه عالمي يعتمد على الطب التجديدي (Regenerative Medicine)، الذي يقوم على تنشيط قدرة الجسم على إصلاح الأنسجة التالفة باستخدام البلازما الغنية بالصفائح الدموية والخلايا الجذعية وغيرها من التقنيات الحديثة.
في هذا الحوار، يكشف الدكتور سامي قنديل، استشاري أول لعلاج آلام المفاصل والعمود الفقري بدون جراحة ، والمشرف العام على عيادات قصر الشفاء، كيف تغير مفهوم علاج الألم، ولماذا أصبحت الجراحة هي الخيار الأخير، وما حقيقة العلاج بالبلازما، ومن هم المرضى الأكثر استفادة منه.
اقرأ ايضًا: طبيب اليوم… قد يصبح مريض الغد …عامل مريضك كما تحب أن تُعامل
بداية.. كيف كانت رحلتك مع تخصص علاج الألم؟
د. سامي قنديل: عندما بدأت عملي طبيبًا، كان مفهوم علاج الألم مختلفًا تمامًا عما هو عليه اليوم. في ذلك الوقت كان يُنظر إليه باعتباره تخصصًا يقتصر على تخفيف آلام مرضى الأورام في المراحل المتقدمة، بينما لم يكن هناك اهتمام حقيقي بعلاج الألم المزمن الناتج عن أمراض المفاصل أو العمود الفقري.
لكن مع بداية عملي لاحظت حجم معاناة المرضى، وأن كثيرًا منهم يعيشون سنوات طويلة بين المسكنات والعمليات دون الوصول إلى علاج حقيقي يعالج السبب.
في عام 1998 أعلنت كلية الطب بجامعة عين شمس عن أول برنامج أكاديمي متخصص في علاج الألم، وكان تخصصًا جديدًا تمامًا في مصر، فتقدمت للالتحاق به رغم الصعوبات الإدارية التي واجهتني، حتى حصلت على موافقة استثنائية لاستكمال الدراسة، وكانت تلك نقطة التحول الحقيقية في حياتي المهنية.
ماذا أضافت لك الدراسة والسفر للخارج؟
السفر إلى ألمانيا وحضور ورش العمل والمؤتمرات العالمية غيّر تمامًا طريقة تفكيري.
اكتشفت أن العالم لم يعد يتعامل مع الألم باعتباره عرضًا يجب إسكاتُه بالمسكنات، وإنما باعتباره رسالة من الجسم يجب فهم سببها وعلاجها.
الطب الحديث أصبح يركز على علاج السبب الحقيقي للألم، سواء كان التهابًا، أو تآكلًا في الغضروف، أو إصابة في الأربطة أو الأوتار، وليس مجرد إعطاء دواء يختفي معه الألم لساعات ثم يعود مرة أخرى.
وهذا هو الفارق الكبير بين المفهوم القديم والمفهوم الحديث لعلاج الألم.

لماذا نشهد اليوم انتشارًا واسعًا لآلام الركبة والعمود الفقري بين الشباب؟
لأن نمط الحياة تغيّر بصورة كبيرة.
الشباب اليوم يتحركون أقل كثيرًا مما كان عليه الحال قبل عشرين أو ثلاثين عامًا.
ساعات طويلة أمام الكمبيوتر، والهواتف المحمولة، وألعاب الفيديو، والعمل المكتبي، مع الاعتماد الكامل على التكنولوجيا في أبسط تفاصيل الحياة.
في المقابل، قلت ممارسة الرياضة، وارتفعت معدلات السمنة، وانتشرت الوجبات السريعة، وكلها عوامل أثرت بصورة مباشرة على المفاصل والعمود الفقري.
ولهذا أصبحنا نرى حالات خشونة مبكرة، وانزلاقات غضروفية، وتمزقات في الأربطة لدى أعمار لم نكن نتوقع رؤيتها قبل سنوات.
هل معنى ذلك أن خشونة الركبة لم تعد مرضًا مرتبطًا بالتقدم في العمر؟
العمر ما زال عاملًا مهمًا، لكنه لم يعد العامل الوحيد.
هناك عوامل كثيرة تؤثر في المفصل، منها الوزن الزائد، وقلة الحركة، وطبيعة العمل، والإصابات الرياضية، والاستعداد الوراثي، وحتى طريقة التغذية.
ولهذا قد نجد شخصًا في الثلاثين يعاني من خشونة متقدمة، بينما يحتفظ آخر في الستين بمفاصل جيدة لأنه حافظ على وزنه ونشاطه البدني.
كثيرون يعتقدون أن تشخيص الخشونة يعني أن النهاية ستكون تغيير المفصل.. هل هذا صحيح؟
هذه واحدة من أكثر المفاهيم الخاطئة انتشارًا.
الجراحة ليست أول الحلول، وإنما آخرها.
معظم مرضى خشونة الركبة يمكن علاجهم بوسائل غير جراحية إذا جرى التشخيص مبكرًا، وتم اختيار العلاج المناسب في الوقت المناسب.
كلما بدأ العلاج في المراحل الأولى، زادت فرص الحفاظ على المفصل الطبيعي وتأخير الحاجة إلى الجراحة سنوات طويلة، وربما تجنبها تمامًا.
هنا يظهر مصطلح “الطب التجديدي”.. ماذا يعني؟
الطب التجديدي هو أحد أهم التطورات التي شهدها الطب خلال السنوات الأخيرة.
فكرته الأساسية هي مساعدة الجسم على إصلاح الأنسجة التالفة وتنشيط قدرته الطبيعية على الالتئام، بدلاً من الاكتفاء بعلاج الأعراض.
نحن لا نحاول فقط تخفيف الألم، وإنما نسعى إلى تحسين البيئة الحيوية داخل المفصل، وتقليل الالتهاب، وتحفيز عملية التجدد، بما يساعد المريض على استعادة الحركة وتحسين جودة حياته.
هل حقن البلازما تدخل ضمن هذا المفهوم؟
بالتأكيد.
حقن البلازما الغنية بالصفائح الدموية (PRP) تعد من أشهر تطبيقات الطب التجديدي.
نحن نسحب كمية بسيطة من دم المريض نفسه، ثم نفصل البلازما الغنية بعوامل النمو باستخدام أجهزة خاصة، وبعد ذلك نعيد حقنها داخل المنطقة المصابة.
هذه الصفائح تحتوي على مواد تحفز الخلايا على الالتئام وإعادة البناء، ولذلك تستخدم في علاج إصابات الأربطة والأوتار، وبعض درجات خشونة المفاصل، والإصابات الرياضية.

لكن عندما بدأت تتحدث عن البلازما قبل سنوات، واجهت هجومًا كبيرًا.. لماذا؟
لأنها كانت فكرة جديدة.
أي تقنية جديدة تواجه في البداية قدرًا من الشك، وهذا أمر طبيعي.
أتذكر أن البعض كان ينظر إليها باعتبارها مجرد دعاية أو أمر غير علمي، بينما كانت مستخدمة بالفعل في مراكز عالمية كبرى.
ولإثبات حقيقتها، أجريت منذ سنوات أول عملية حقن بالبلازما على الهواء مباشرة داخل أحد البرامج التلفزيونية، أمام المشاهدين، بكل خطواتها الطبية والتعقيم الكامل، حتى يرى الناس بأنفسهم أن ما نتحدث عنه علم حقيقي وليس مجرد كلام.
وكانت هذه الحلقة نقطة مهمة في نشر الوعي بهذا النوع من العلاج داخل مصر.
هل البلازما مناسبة لكل المرضى؟
لا.
وهذه نقطة في غاية الأهمية.
الطبيب هو من يحدد هل المريض مناسب للبلازما أم لا.
هناك حالات تحقق نتائج ممتازة، خاصة في المراحل المبكرة والمتوسطة من خشونة الركبة، وإصابات الأربطة والأوتار، بينما توجد حالات أخرى تحتاج إلى وسائل علاج مختلفة.
ولهذا أرفض تمامًا فكرة تحويل البلازما إلى “وصفة جاهزة” لكل من يعاني من ألم في الركبة.
العلاج الناجح يبدأ بالتشخيص الصحيح، وليس بنوع الحقنة.
تؤكد دائمًا أن 95% من حالات الانزلاق الغضروفي لا تحتاج إلى جراحة.. كيف ذلك؟
هذه حقيقة علمية قد يفاجأ بها كثير من الناس.
معظم المرضى بمجرد سماع كلمة “انزلاق غضروفي” يعتقدون أن الجراحة أصبحت حتمية، بينما الواقع مختلف تمامًا.
الإحصاءات والدراسات العالمية تؤكد أن ما يقرب من 95% من حالات الانزلاق الغضروفي العنقي أو القطني يمكن علاجها بوسائل غير جراحية إذا جرى تشخيصها مبكرًا ووضع خطة علاج مناسبة.
الجراحة تظل ضرورية فقط في نسبة محدودة جدًا من المرضى.
ومتى تصبح الجراحة ضرورة بالفعل؟
عندما تظهر ما نسميه “العلامات الحمراء”.
مثل فقدان قوة العضلات، أو سقوط القدم، أو ضمور العضلات، أو فقدان التحكم في البول أو البراز نتيجة ضغط الغضروف على النخاع الشوكي.
هذه الحالات لا يجوز تأخيرها، لأنها تمثل تهديدًا حقيقيًا لوظائف الأعصاب.
أما الألم، والتنميل، وعرق النسا، والحرقان، فغالبًا يمكن التعامل معها بوسائل علاجية أخرى دون جراحة.
وما هي أحدث وسائل العلاج غير الجراحي للعمود الفقري؟
العلاج يبدأ دائمًا بالتشخيص الصحيح.
فليس كل مريض يحتاج إلى الحقن، وليس كل مريض يحتاج إلى العلاج الطبيعي.
نحن نبدأ بتعديل نمط الحياة، وإنقاص الوزن، والعلاج الدوائي إذا لزم الأمر، ثم العلاج الطبيعي، وبعد ذلك نلجأ إلى وسائل التدخل المحدود إذا استدعت الحالة.
ومن أهم هذه الوسائل:
* حقن جذور الأعصاب.
* التردد الحراري.
* تسليك الأعصاب بالتقنيات الحديثة.
* بعض أنواع الحقن التجديدية بحسب حالة المريض.
كثيرون يسمعون عن “التردد الحراري”.. ماذا يفعل بالضبط؟
التردد الحراري من التقنيات التي أحدثت نقلة كبيرة في علاج الألم المزمن.
لكن يجب توضيح نقطة مهمة، فهناك أكثر من نوع.
في حالات آلام الركبة نستهدف الأعصاب الحسية المسؤولة عن نقل الألم، بينما في العمود الفقري نستخدم التردد الحراري النابض بطريقة مختلفة، بحيث نقلل الإشارات العصبية المسببة للألم دون التأثير على وظيفة العصب نفسه.
ويتم الإجراء تحت الأشعة التداخلية وببنج موضعي، ويستغرق وقتًا قصيرًا، ويستطيع المريض مغادرة المركز في اليوم نفسه.
وهل يمكن استخدام هذه التقنيات مع كبار السن؟
بالتأكيد.
بل إن كثيرًا من كبار السن الذين لا تسمح حالتهم الصحية بإجراء جراحة، سواء بسبب أمراض القلب أو السكر أو غيرها، يستفيدون بصورة كبيرة من هذه الإجراءات.
فالهدف هو تقليل الألم وتحسين القدرة على الحركة وجودة الحياة دون الدخول في مخاطر العمليات الكبرى.
ماذا عن الخلايا الجذعية؟ وهل أصبحت واقعًا في علاج المفاصل؟
العالم كله يتجه بقوة نحو الطب التجديدي.
الخلايا الجذعية تمثل مستقبلًا واعدًا، لأنها تعتمد على تنشيط قدرة الجسم على إعادة البناء والإصلاح.
اليوم نستطيع استخدام الخلايا الجذعية في بعض الحالات، كما يمكن الاستفادة من نخاع العظام أو تقنيات حديثة أخرى بحسب الحالة الطبية.
ولا يزال هذا المجال يتطور بسرعة كبيرة، وما نشاهده اليوم ربما يكون مجرد بداية لما سيحدث خلال السنوات المقبلة.
هل لديك تجربة تؤكد نجاح هذه التقنيات؟
أتذكر حالة لمريضة كانت تعاني من كسر لم يلتئم في عظمة الساق، وكان القرار التقليدي هو إجراء جراحة كبرى وترقيع عظمي.
اخترنا استخدام نخاع العظام والخلايا الجذعية الخاصة بها، وتم الحقن تحت الأشعة التداخلية، ونجح الكسر في الالتئام دون الحاجة إلى الجراحة التقليدية.
هذه النماذج تؤكد أن الطب يتطور باستمرار، وأن علينا دائمًا البحث عن أفضل الحلول الأقل تدخلًا إذا كانت مناسبة للمريض.

ما أكثر الأخطاء التي يرتكبها المرضى؟
أخطرها هو الإفراط في تناول المسكنات.
للأسف هناك من يعيش سنوات يعتمد على المسكنات باعتبارها علاجًا، بينما هي في الحقيقة تخفي الألم فقط ولا تعالج السبب.
الإفراط في استخدامها قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة على الكلى والمعدة والكبد، كما يجعل المريض يؤجل العلاج الحقيقي حتى تتفاقم حالته.
وأحيانًا يتحول مريض كان يمكن علاجه بسهولة إلى حالة تحتاج إلى جراحة بسبب التأخير.
وماذا عن خشونة الركبة في مراحلها المتقدمة؟
في المراحل الأولى والثانية والثالثة نستطيع غالبًا تحقيق نتائج جيدة باستخدام الوسائل الحديثة مثل البلازما أو بعض الحقن التجديدية والمواد الملينة بحسب تقييم الحالة.
أما إذا وصل المفصل إلى مرحلة التآكل الكامل وفقدان الغضروف بصورة كاملة، فقد يصبح المفصل الصناعي هو الحل الأفضل.
لذلك أكرر دائمًا أن التدخل المبكر هو مفتاح النجاح.
كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على مفاصله؟
الأمر لا يعتمد على العلاج فقط، بل على أسلوب الحياة.
أنصح بالحفاظ على الوزن الطبيعي، وممارسة النشاط البدني بانتظام، وتقوية العضلات، وتجنب الجلوس لفترات طويلة، والاهتمام بالتغذية السليمة. الجسم يشبه أي آلة؛ إذا أهملنا صيانته ظهرت المشكلات مبكرًا، أما إذا حافظنا عليه فسيستمر في أداء وظيفته بكفاءة لسنوات طويلة
ما الرسالة التي تود توجيهها للمرضى؟
لا تجعلوا الألم جزءًا طبيعيًا من حياتكم.
كثير من المرضى يتعايشون مع الألم سنوات اعتقادًا أنه أمر لا علاج له، بينما الحقيقة أن الطب تطور بصورة كبيرة جدًا.
كلما جاء المريض مبكرًا، زادت فرص علاجه بوسائل بسيطة، وقلت احتمالات الوصول إلى الجراحة.
وأقول دائمًا: ليس الهدف أن نُسكّن الألم، بل أن نعالج سببه، ونساعد المريض على أن يعيش حياته بصورة طبيعية، ويحافظ على حركته واستقلاله لأطول فترة ممكنة.




