بقلم الدكتور: سامي قنديل
قد يظن الطبيب، مع مرور سنوات العمل، أن موقعه خلف المكتب أو داخل غرفة العمليات سيظل ثابتًا دائمًا. لكن الحقيقة التي تفرضها الحياة على الجميع هي أن الطبيب، مهما بلغت خبرته، ليس بعيدًا عن المرض، وقد يأتي يوم يجد فيه نفسه جالسًا على الجانب الآخر من المكتب، يحمل ملفًا طبيًا، وينتظر كلمة تطمئنه أو تفسيرًا يبدد قلقه.
من هنا أؤمن بأن أفضل قاعدة أخلاقية في الممارسة الطبية هي أن يعامل الطبيب مريضه بالطريقة التي يتمنى أن يُعامل بها إذا أصبح هو المريض.
فالطب ليس علمًا فقط، بل رسالة تقوم على المعرفة والرحمة والاحترام.
ولذلك، فإن حق المريض لا يقتصر على الحصول على دواء أو إجراء طبي، بل يبدأ بحقه في أن يفهم ما يعاني منه، وأن يشارك في اتخاذ القرار المتعلق بصحته.
من حق المريض أن يعرف تشخيصه بلغة واضحة، وأن يفهم لماذا تم اختيار هذا العلاج دون غيره، وما النتائج المتوقعة، وما البدائل المتاحة، وما المضاعفات المحتملة؟ .. وإذا كان العلاج يتضمن تدخلًا أو حقنًا أو إجراءً طبيًا، فمن حقه أن يعرف طبيعة ما سيُجرى له، وأن يطمئن إلى أنه اتخذ قراره عن معرفة واقتناع.
هذه ليست رفاهية، بل أحد أهم حقوق المريض، وأحد المبادئ الأساسية للممارسة الطبية الحديثة.
وكثيرًا ما يحتاج المريض إلى ما هو أكثر من وصفة علاجية؛ يحتاج إلى من يستمع إليه.
فالخوف جزء طبيعي من المرض، والأسئلة التي يطرحها المريض ليست دليلًا على عدم الثقة، بل محاولة لفهم ما يمر به ، وقد تكون الدقائق القليلة التي يقضيها الطبيب في الشرح والإنصات سببًا في التزام المريض بالعلاج، وطمأنينته، ونجاح الخطة العلاجية.
وقد مررت شخصيًا بتجربة جعلتني أكثر إدراكًا لهذه الحقيقة.. فعندما تعرضت لإصابة في الرباط الصليبي وعانيت لفترة من الألم وصعوبة الحركة، أدركت من موقع المريض قيمة الكلمة الهادئة، والشرح الواضح، والطبيب الذي يمنح مريضه الوقت الكافي ليطمئن. لقد كانت تجربة إنسانية قبل أن تكون تجربة صحية، وتركت أثرًا عميقًا في طريقة تعاملي مع المرضى.
ولهذا أحرص اليوم، قبل أي إجراء علاجي، على أن يفهم المريض حالته، وأن يشارك في اختيار الخطة العلاجية، لأن العلاج الحقيقي لا يقوم على مهارة الطبيب وحدها، بل على الثقة المتبادلة بين الطبيب والمريض.
وأدرك جيدًا أن ضغوط العمل داخل المستشفيات والعيادات أصبحت كبيرة، وأن أعداد المرضى في تزايد مستمر، لكن حتى في ظل هذا الواقع يبقى هناك حق لا يجوز التفريط فيه: أن يشعر المريض بأنه مسموع، ومحترم، ومدرك لما يحدث له.
إن بناء الثقة بين الطبيب والمريض ليس أمرًا ثانويًا، بل هو جزء من العلاج نفسه. فكلما ازداد وعي المريض بحالته، زاد التزامه بالخطة العلاجية، وتحسنت النتائج، وقلت فرص سوء الفهم أو الخوف أو الانقطاع عن العلاج.
في النهاية، قد يتبادل الطبيب والمريض المواقع في أي لحظة، وما نزرعه اليوم في مرضانا من احترام وصدق واهتمام، قد نحتاج إليه نحن غدًا.
لذلك أؤمن بأن الطبيب الحقيقي لا يُقاس فقط بدقة تشخيصه أو نجاح علاجه، بل بقدرته على أن يجعل مريضه يشعر بالأمان، وأن يحافظ على كرامته، وأن يمنحه حقه الكامل في المعرفة والمشاركة والاطمئنان.
فطبيب اليوم… قد يصبح مريض الغد.
وعامل مريضك كما تحب أن تُعامل.



