الأمم المتحدة تحذر: خفض تمويل مكافحة الإيدز يهدد بعودة الوباء عالميًا

تراجع التمويل الدولي بأكبر نسبة منذ 20 عامًا يهدد برامج الوقاية والعلاج.. وخبراء: العالم قد يفقد مكاسب ثلاثة عقود إذا لم تتحمل الدول مسؤولياتها

تقرير: بوابة مصر الصحية

حذّر خبراء الصحة العالمية وبرنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس نقص المناعة البشرية (UNAIDS) من أن العالم يواجه منعطفًا خطيرًا في معركته ضد فيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز)، بعد موجة غير مسبوقة من خفض التمويل الدولي، مؤكدين أن استمرار هذا التراجع قد يؤدي إلى عودة انتشار الوباء وتقويض الإنجازات التي تحققت على مدار أكثر من ثلاثة عقود.

ويأتي هذا التحذير في وقت انخفضت فيه الموارد الدولية المخصصة لمكافحة الإيدز إلى أدنى مستوياتها منذ نحو 20 عامًا، ما انعكس مباشرة على برامج الوقاية، والفحص المبكر، والعلاج، والخدمات المجتمعية التي تمثل خط الدفاع الأول في مواجهة الفيروس.

أكبر تراجع في التمويل منذ عقدين

وفقًا لأحدث تقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة للإيدز، تراجع التمويل الخارجي الموجه للاستجابة العالمية للفيروس في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل خلال عام 2025 بنسبة 18% مقارنة بعام 2024، وهو أكبر انخفاض تشهده برامج مكافحة الإيدز منذ ما يقرب من عشرين عامًا.

ويؤكد التقرير أن هذا الانخفاض لا يمثل أزمة مالية فحسب، بل يهدد استدامة البرامج الصحية التي اعتمدت لعقود على دعم المانحين الدوليين، خاصة في أفريقيا والدول الأكثر تضررًا.

الخدمات تتوقف والمرضى يدفعون الثمن

توضح الدكتورة مويلوا فيري، خبيرة فيروس نقص المناعة البشرية بمعهد الطب الاستوائي في أنتويرب ومنظمة “زامبارت” في زامبيا، أن آثار الأزمة بدأت بالفعل على الأرض.

وتقول إن اختفاء التمويل بشكل مفاجئ أدى إلى تسريح أعداد كبيرة من العاملين في برامج مكافحة الإيدز، وإيقاف العديد من الخدمات المجتمعية التي كانت تصل إلى الفئات الأكثر عرضة للإصابة، وهو ما جعل الأنظمة الصحية تعمل فوق طاقتها.

وأضافت أن كثيرًا من الأشخاص الذين يحتاجون إلى إجراء اختبار الكشف عن الفيروس لا يعانون أي أعراض، وبالتالي يترددون في الذهاب إلى المستشفيات المزدحمة، بينما توقفت فرق التوعية والمتطوعون الذين كانوا يقدمون خدمات الفحص داخل المجتمعات المحلية.

لماذا يمثل الكشف المبكر نقطة فاصلة؟

يشدد الخبراء على أن الاكتشاف المبكر للإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية هو العامل الأهم في كسر سلسلة انتقال العدوى.

فكلما بدأ المريض العلاج مبكرًا، انخفض الحمل الفيروسي إلى مستويات غير قابلة للكشف، وهي المرحلة التي يصبح فيها المصاب غير قادر على نقل العدوى إلى الآخرين، وهو ما جعل برامج الفحص المجتمعي إحدى أكثر أدوات مكافحة الوباء نجاحًا خلال السنوات الماضية.

لكن مع تراجع التمويل، بدأت هذه البرامج في الانكماش، ما يهدد بارتفاع أعداد الإصابات الجديدة خلال السنوات المقبلة.

انخفاض حاد في برامج الوقاية

رصد التقرير الأممي تراجعًا كبيرًا في استخدام العلاج الوقائي قبل التعرض للفيروس (PrEP)، وهو أحد أهم الأسلحة الحديثة لمنع انتقال العدوى.

ففي الكاميرون ونيجيريا وزامبيا، انخفض عدد الأشخاص الذين حصلوا على هذا العلاج بأكثر من 50% خلال عام واحد فقط، وهو مؤشر يثير قلق المؤسسات الصحية الدولية.

إنجازات مهددة بالضياع

ورغم الأزمة الحالية، يؤكد التقرير أن العالم نجح خلال العقود الماضية في تحقيق تقدم تاريخي في مواجهة الإيدز.

فقد انخفضت الوفيات المرتبطة بالمرض بنسبة 57% منذ عام 2010، حيث تراجعت من نحو 1.3 مليون وفاة سنويًا إلى 570 ألف وفاة فقط في عام 2025.

كما ارتفع عدد الأشخاص الذين يتلقون العلاج المضاد للفيروسات إلى أكثر من 32 مليون شخص حول العالم، وهو أعلى رقم يتم تسجيله حتى الآن.

لكن هذه المكاسب أصبحت مهددة إذا استمرت برامج الوقاية والعلاج في فقدان مصادر تمويلها.

أهداف 2030 أصبحت في خطر

يحذر برنامج الأمم المتحدة للإيدز من أن العالم لم يعد يسير بالسرعة المطلوبة لتحقيق هدف القضاء على الإيدز كتهديد للصحة العامة بحلول عام 2030.

وأشار التقرير إلى أن عام 2024 شهد تسجيل مليون إصابة جديدة و400 ألف وفاة إضافية مقارنة بما كان متوقعًا لو استمرت الدول في تنفيذ المسار العالمي المستهدف.

ويرى الخبراء أن استمرار هذا الاتجاه قد يؤدي إلى عودة معدلات الإصابة للارتفاع بعد سنوات طويلة من الانخفاض.

اقرأ ايضًا: حوار خاص مع الدكتور محمد حساني..يكشف المبادرات الصحية الجديدة ويوضح كيف أصبحت التجربة المصرية نموذجًا عالميًا

هل انتهى عصر الاعتماد على المانحين؟

تعتبر الأزمة الحالية نقطة تحول في طريقة تمويل برامج مكافحة الإيدز عالميًا.

فبدلًا من الاعتماد شبه الكامل على المساعدات الدولية، يدعو برنامج الأمم المتحدة للإيدز الحكومات إلى زيادة التمويل المحلي، وتحمل مسؤولية استدامة الخدمات الصحية، مع استمرار قدر من التضامن الدولي.

وتؤكد الدكتورة مويلوا فيري أن الانتقال إلى التمويل الوطني ضرورة لا يمكن تأجيلها، لكنه يجب أن يتم تدريجيًا حتى لا تنهار الخدمات الصحية أو يفقد المرضى حقهم في العلاج والرعاية.

كما شددت على أن بناء أنظمة صحية قوية لا يقتصر على تمويل العلاج فقط، بل يحتاج أيضًا إلى الاستثمار في الرعاية الاجتماعية، والتوعية، والكوادر الصحية، بما يضمن استمرار الخدمات دون انقطاع.

مستقبل مكافحة الإيدز على المحك

يرى الخبراء أن العالم يقف اليوم أمام اختبار حقيقي؛ فإما الحفاظ على الزخم الذي تحقق خلال العقود الماضية، أو خسارة واحدة من أهم قصص النجاح في تاريخ الصحة العامة.

ويؤكد تقرير الأمم المتحدة أن خفض التمويل في هذا التوقيت لا يهدد مرضى الإيدز وحدهم، بل يهدد الأمن الصحي العالمي، ويعيد فتح الباب أمام وباء اعتقد كثيرون أنه أصبح تحت السيطرة، بينما لا يزال يحصد مئات الآلاف من الأرواح كل عام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top