بقلم: د. حسام سلامة عبد ربه
استشاري ورئيس قسم النساء والتوليد بالمجمع الطبي
في غرفة الولادة، هناك لحظة لا تشبه أي لحظة أخرى. يعلو فيها صوت الألم، وتختلط الدعوات بالخوف، ويقف الجميع في انتظار تلك الصرخة الأولى لطفل طال انتظاره.
لكن وسط انشغال الجميع بميلاد الطفل، تبقى حقيقة أخرى ربما لا نلتفت إليها كثيرًا: في غرفة الولادة لا يولد طفل فقط، بل تولد أم أيضًا.
تدخل المرأة غرفة الولادة وهي تحمل طفلها بين أحشائها، وتخرج منها وقد بدأت مرحلة مختلفة تمامًا من حياتها. في ساعات قليلة، وربما في دقائق، تتغير أشياء كثيرة داخلها؛ الخوف، والمسؤولية، ونظرتها إلى نفسها وإلى الحياة.
قد تدخل الغرفة وهي خائفة من الألم، أو من المجهول، أو من أن يحدث مكروه لطفلها. لكن بمجرد أن تسمع صرخته الأولى، يتغير المشهد كله.
ومن أكثر المواقف التي تتكرر أمامنا كأطباء أن يكون أول سؤال للأم بعد الولادة: «هو كويس؟»
تسأل عن طفلها قبل أن تسأل عن نفسها، رغم ما مرت به من ألم وإجهاد وربما ساعات طويلة من القلق.
وهنا يدرك الطبيب جانبًا بالغ الإنسانية من مهنته. فنحن لا نتعامل مع «حالة» أو رقم في ملف طبي، وإنما مع إنسانة وضعت أغلى ما تملك بين أيدينا، وأسرة بأكملها تنتظر خلف أبواب غرفة الولادة.
اقرأ ايضًا: حين يهزم العطاء حدود الألم
خلف كل سرير قصة لا نراها كاملة.
هناك أب ينتظر الخبر، وجدة ترفع يديها بالدعاء، وأسرة تحبس أنفاسها، وأم تقاوم خوفها وألمها منتظرة اللحظة التي تحتضن فيها طفلها للمرة الأولى.
لهذا لم أستطع يومًا أن أنظر إلى الولادة باعتبارها مجرد إجراء طبي.
الولادة أمانة.
أمانة أن نحافظ على حياة الأم وسلامتها، وأن نستقبل طفلها بأكبر قدر ممكن من الأمان، وأن نمتلك الهدوء عندما يكون المحيطون بنا في قمة الخوف، وأن نتخذ القرار الصحيح في اللحظة التي قد يصنع فيها القرار فارقًا كبيرًا في حياة إنسان.
ورغم ضغوط العمل وساعاته الطويلة، تظل هناك لحظة تمحو كثيرًا من التعب: أن تسمع صرخة المولود الأولى، ثم تنظر إلى وجه أمه فترى دموعًا تختلط بابتسامة يصعب وصفها.
عندها يشعر الطبيب أن للسهر والقلق والمسؤولية معنى.
ومع مرور السنوات، قد ينسى الطبيب أسماء كثير من الحالات، لكنه لا ينسى بعض القصص.
لا ينسى أمًا دخلت غرفة الولادة وهي ترتجف خوفًا ثم غادرتها وهي تحتضن طفلها. ولا ينسى أمًا كانت حياتها في خطر ثم عادت إلى أسرتها سالمة. ولا ينسى طفلًا جاء إلى الدنيا في ظروف صعبة، وتعلقت به القلوب حتى تجاوز الخطر وبدأ رحلته مع الحياة.
هذه المواقف هي التي تعيد إلى الطبيب، وسط ضغوط المهنة، الإجابة عن سؤال بسيط: لماذا اخترنا الطب؟
في تخصص النساء والتوليد، نحن لا نساعد طفلًا فقط على أن يأتي إلى الدنيا، وإنما نشهد أيضًا ميلاد علاقة ستستمر عمرًا كاملًا.
ومع كل صرخة جديدة داخل غرفة الولادة تبدأ أكثر من حكاية في اللحظة نفسها؛ طفل يفتح عينيه على الحياة، وأم تبدأ رحلة جديدة، وأسرة يتغير عالمها بوصول فرد جديد.
أما نحن، أطباء وفريق غرفة الولادة، فقد نقف للحظات قليلة بعد انتهاء كل شيء، ننظر إلى الأم وطفلها ونحمد الله أننا كنا جزءًا من لحظة لن تتكرر في حياة هذه الأسرة.
لهذا، في غرفة الولادة لا يولد طفل فقط.. تولد أم أيضًا.
وربما تكون تلك واحدة من أجمل اللحظات التي تمنح الطب معناه الإنساني.



