منظمة الصحة العالمية: 1.9 مليون إصابة وأكثر من 900 ألف وفاة عالميًا.. والمرض يتزايد بين البالغين من 30 إلى 50 عامًا في بعض الدول
جمعية السرطان الأمريكية: الإصابة ترتفع 3% سنويًا بين سن 20 و49 عامًا.. و3 من كل 4 حالات قبل الخمسين تُكتشف بعد تقدم المرض
وفي مصر.. دراسة شملت 1,310 مرضى في أربعة مراكز لعلاج الأورام وجدت أن 42.4% منهم كانوا في سن 45 عامًا أو أقل
لسنوات طويلة، ارتبط سرطان القولون والمستقيم في أذهان كثيرين بالتقدم في العمر، لكن هذه الصورة بدأت تتغير. فالأرقام الحديثة الصادرة عن منظمة الصحة العالمية ومراكز السرطان الكبرى تكشف أن المرض، وإن ظل أكثر شيوعًا بعد سن الخمسين، أصبح يظهر بصورة متزايدة لدى البالغين الأصغر سنًا.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن سرطان القولون والمستقيم هو ثالث أكثر أنواع السرطان شيوعًا عالميًا، ويمثل نحو 10% من جميع حالات السرطان، كما أنه ثاني أكبر سبب للوفاة بالسرطان في العالم.
وفي عام 2022 وحده، قُدرت الإصابات الجديدة عالميًا بنحو 1.9 مليون حالة، مع أكثر من 900 ألف وفاة. وتشير المنظمة بوضوح إلى أن عبء المرض آخذ في الارتفاع بين البالغين الذين تتراوح أعمارهم بين 30 و50 عامًا في بعض الدول.
3% زيادة سنوية بين من هم دون الخمسين
الأرقام الصادرة عن جمعية السرطان الأمريكية لعام 2026 تكشف الاتجاه بصورة أكثر وضوحًا.
فخلال الفترة من 2013 إلى 2022، ارتفعت معدلات الإصابة بسرطان القولون والمستقيم بين الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و49 عامًا بنحو 3% سنويًا.
وفي المقابل، انخفضت الإصابة بين من يبلغون 65 عامًا فأكثر بنحو 2.5% سنويًا.
وتتوقع الجمعية تسجيل نحو 158,850 إصابة جديدة بسرطان القولون والمستقيم في الولايات المتحدة خلال 2026، إلى جانب 55,230 وفاة، أي ما يقارب 440 تشخيصًا جديدًا يوميًا.
الأكثر إثارة للقلق أن المشكلة لا تتوقف عند زيادة عدد الشباب المصابين، بل تمتد إلى توقيت اكتشاف المرض.
فوفق بيانات الجمعية، فإن 3 من كل 4 حالات تُشخَّص قبل سن الخمسين تكون قد وصلت بالفعل إلى مرحلة إقليمية أو بعيدة عند اكتشافها.
وهذا يجعل تأخر التشخيص أحد أهم التحديات، خاصة عندما تُفسر أعراض مثل النزيف أو تغير عادات التبرز على أنها مشكلة بسيطة بسبب صغر سن المريض.
27 دولة ترصد زيادة في الإصابات بين الشباب
والظاهرة ليست أمريكية فقط.
فدراسة دولية واسعة حللت بيانات سجلات السرطان في 50 دولة وإقليمًا وجدت أن معدلات سرطان القولون والمستقيم لدى الأشخاص بين 25 و49 عامًا ارتفعت في 27 دولة.
وفي 20 من هذه الدول كان الارتفاع إما خاصًا بالفئات الأصغر سنًا أو أسرع لديها من الفئات الأكبر عمرًا.
وسُجلت بعض أعلى معدلات الزيادة السنوية في نيوزيلندا بنحو 3.97%، وتشيلي 3.96%، وبورتوريكو 3.81%، وإنجلترا 3.59%.
كما أظهرت دراسة أحدث اعتمدت على بيانات الوفيات في منظمة الصحة العالمية أن الوفيات بسرطان القولون والمستقيم لدى الأشخاص بين 25 و49 عامًا ارتفعت في 18 من 49 دولة خلال أحدث عقد، بنسب تراوحت بين 0.7% و4.3% سنويًا.

مصر.. 42.4% من عينة كبيرة كانوا في سن 45 أو أقل
أما في مصر، فتلفت إحدى الدراسات الحديثة الانتباه إلى نسبة كبيرة من المرضى في الأعمار الصغيرة.
الدراسة شملت 1,310 مرضى بسرطان القولون والمستقيم في أربعة مراكز لعلاج الأورام تمثل مناطق جغرافية مختلفة في مصر.
ووجد الباحثون أن 42.4% من المرضى المشاركين كانوا في سن 45 عامًا أو أقل.
وهذا الرقم لا يعني أن 42.4% من جميع حالات سرطان القولون في مصر تقع تحت سن 45 عامًا، لأن الدراسة لم تكن مسحًا وطنيًا يشمل جميع السكان، لكنه يكشف أن نسبة لافتة من الحالات التي وصلت إلى هذه المراكز كانت في أعمار صغيرة.
كما أشار الباحثون إلى أن التقارير المصرية ترصد منذ سنوات وجود حالات سرطان القولون والمستقيم في أعمار أصغر مما يُرى تقليديًا في بعض الدول الغربية.
لماذا يصاب الشباب بسرطان القولون؟
لا يوجد حتى الآن سبب واحد يفسر الزيادة التي يرصدها العلماء.
وتحدد منظمة الصحة العالمية مجموعة من العوامل التي ترفع خطر الإصابة، أبرزها الإكثار من اللحوم الحمراء والمصنعة، وقلة تناول الفواكه والخضروات، والخمول البدني، وزيادة الوزن والسمنة، والتدخين، والإفراط في تناول الكحول.
كما يزداد الخطر لدى من لديهم تاريخ عائلي لسرطان القولون والمستقيم، أو بعض الاضطرابات الوراثية مثل متلازمة لينش وداء السلائل الورمي الغدي العائلي، وكذلك لدى من سبق أن أصيبوا بأنواع معينة من السلائل أو بسرطان القولون والمستقيم.
لكن هذه العوامل المعروفة لا تفسر بصورة كاملة الارتفاع الملحوظ لدى الأجيال الأصغر، ولذلك تتجه الأبحاث حاليًا إلى دراسة عوامل أخرى، بينها السمنة في سن مبكرة، والتغيرات في النظام الغذائي، والبيئة المعوية، والتعرضات التي تبدأ منذ الطفولة.
بكتيريا الأمعاء تدخل دائرة البحث
ومن أحدث الخيوط العلمية دراسة منشورة في مجلة Nature حللت البصمات الجينية في أورام سرطان القولون والمستقيم.
ورصد الباحثون علامات لطفرات مرتبطة بمادة تسمى colibactin تنتجها بعض أنواع بكتيريا الأمعاء.
وكانت هذه البصمات أكثر شيوعًا 3.3 مرة لدى المرضى الذين شُخصوا قبل سن الأربعين مقارنة بمن تجاوزوا السبعين.
وتشير النتائج إلى احتمال أن يكون التعرض لهذه البكتيريا أو سمومها في مرحلة مبكرة من الحياة أحد العوامل التي تستحق مزيدًا من الدراسة، لكنها لا تثبت حتى الآن أن هذه البكتيريا هي السبب المباشر وراء ارتفاع سرطان القولون بين الشباب.
أعراض لا يجب تجاهلها بسبب صغر السن
أهمية التوعية تصبح أكبر لأن سرطان القولون والمستقيم قد لا يسبب أعراضًا واضحة في بدايته.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى عدد من العلامات التي تستدعي الانتباه، من بينها:
* تغير مستمر في عادات التبرز، مثل الإمساك أو الإسهال.
* وجود دم أحمر أو داكن في البراز.
* آلام أو تقلصات أو انتفاخ مستمر في البطن.
* فقدان وزن دون سبب واضح.
* إرهاق مستمر.
* انخفاض الحديد أو الإصابة بأنيميا نقص الحديد.
ولا تعني هذه الأعراض بالضرورة الإصابة بالسرطان، لكن استمرارها أو تكرارها يستوجب التقييم الطبي، خاصة مع وجود تاريخ عائلي أو عوامل خطورة أخرى.
كيف يمكن تقليل الخطر؟
الجانب الإيجابي أن جزءًا من خطر سرطان القولون والمستقيم يرتبط بعوامل يمكن تعديلها.
وتوصي منظمة الصحة العالمية بالاعتماد على نظام غذائي غني بالفواكه والخضروات، والنشاط البدني المنتظم، والحفاظ على وزن صحي، وعدم التدخين، والحد من استهلاك الكحول، وتقليل اللحوم المصنعة والحمراء.
كما يظل الكشف المبكر عنصرًا حاسمًا؛ فسرطان القولون من الأورام التي يمكن في بعض الحالات منع تطورها من خلال اكتشاف السلائل السابقة للتسرطن وإزالتها قبل تحولها إلى أورام خبيثة.
والأشخاص الذين لديهم تاريخ عائلي قوي أو عوامل وراثية معروفة يحتاجون إلى مناقشة توقيت الفحص مع الطبيب، لأنهم قد يحتاجون إلى بدء المتابعة في سن أصغر من الأشخاص متوسطي الخطورة.
اقرأ ايضًا: فيتامين D وسرطان القولون.. دراسة تحسم فاعلية الجرعات المرتفعة مع العلاج الكيميائي
الرسالة للشباب: لا تفترض أن العمر يحميك
الأرقام لا تعني أن سرطان القولون أصبح أكثر شيوعًا لدى الشباب منه لدى كبار السن؛ فما زالت غالبية الحالات تحدث بعد سن الخمسين.
لكن الاتجاه الجديد يعني أن صغر السن لم يعد سببًا كافيًا لاستبعاد سرطان القولون عند ظهور أعراض مستمرة.
وعندما ترتفع معدلات الإصابة بنحو 3% سنويًا بين من هم في سن 20 إلى 49 عامًا في الولايات المتحدة، وترصد 27 دولة زيادة بين الشباب، وتظهر دراسة مصرية أن 42.4% من عينة تضم 1,310 مرضى كانوا في سن 45 عامًا أو أقل، فإن الرسالة تصبح واضحة:
سرطان القولون يمكن أن يصيب الشباب.. والوعي بالأعراض، وتقليل عوامل الخطر، والوصول المبكر إلى الطبيب قد يصنع فارقًا كبيرًا في فرص التشخيص والعلاج.



