في اليوم الوطني لمكافحة التقزم 2026.. «الصحة» تعلن تراجع التقزم بين أطفال المبادرة من 6.9% إلى 4% والأنيميا من 42.3% إلى 8%
خالد عبدالغفار: المواجهة الحقيقية تبدأ قبل الولادة.. والاستثمار في نمو الطفل استثمار في رأس المال البشري وقوة الاقتصاد
أطفال وأسر يروون تجاربهم مع التنمر والضعف قبل الوصول للعلاج.. و6.6 مليار جنيه وفورات مقدرة من الكشف المبكر عن اضطرابات النمو
تقرير- بوابة مصر الصحية
ليس قِصر قامة فقط، ولا تكهنًا عائليًا بأن الطفل «يشبه أباه» أو أحد أقاربه قصيري القامة؛ فالتقزم مشكلة في النمو قد ترتبط بسوء التغذية المزمن أو المتكرر، والعدوى، وعوامل صحية واجتماعية يبدأ تأثيرها مبكرًا، وقد تمتد انعكاساتها إلى صحة الطفل وقدرته على التعلم والإنتاج في المستقبل.
فالطفل المتقزم لا يُشخَّص بمجرد النظر إليه، ولا بمقارنته بأشقائه أو زملائه، كما أن كل طفل قصير القامة ليس بالضرورة متقزمًا. وبصياغة مبسطة، فإن التقزم يعني أن نمو الطفل في الطول لم يسِر بالمعدل المتوقع لعمره وفق معايير النمو المعتمدة، بما قد يكون مؤشرًا على تعرضه لعوامل أثرت في نموه لفترة ممتدة.
والمشكلة لا تقف عند بضعة سنتيمترات. فبحسب منظمة الصحة العالمية، يرتبط التقزم الناتج عن سوء التغذية المزمن أو العدوى المتكررة بزيادة قابلية الطفل للمرض، كما قد يصاحبه تأخر في النمو العقلي وضعف الأداء المدرسي والقدرات المعرفية، بما ينعكس لاحقًا على قدرته على العمل والإنتاج. وتوضح المنظمة أن الأطفال الذين يعانون التقزم يمرضون بصورة أكثر تكرارًا، ما يجعل القضية مرتبطة بصحة الطفل ومناعته بقدر ارتباطها بطوله.
ومن هنا تصبح مواجهة التقزم قضية أكبر من «زيادة طول الطفل»؛ إنها محاولة لحماية فرصة كاملة للنمو والصحة والتعلم.
يوم وطني بشعار مختلف: «الكشف المبكر هو البداية فقط»
بهذه الفلسفة جاء اليوم الوطني لمكافحة التقزم 2026، الذي شهده الدكتور خالد عبدالغفار، وزير الصحة والسكان، تحت شعار «الكشف المبكر هو البداية فقط»، بالتعاون مع شركة ساندوز مصر، وبمشاركة ممثلي الجهات المعنية والمنظمات الدولية وشركاء التنمية.
واستعرضت الفعاليات نتائج المبادرة الرئاسية للكشف المبكر عن الأنيميا والسمنة والتقزم لدى طلاب المرحلة الابتدائية، لكن الحدث تجاوز عرض الأرقام إلى مناقشة سؤال أكبر: ماذا يحدث قبل أن يصل الطفل إلى المدرسة؟ وكيف يمكن منع اضطراب النمو من الأساس بدلًا من انتظار اكتشافه؟
وخلال الفعالية، أعلنت وزارة الصحة أن معدل انتشار التقزم بين الأطفال المستهدفين بالمبادرة انخفض من 6.9% عام 2019 إلى 4% عام 2026، فيما تراجعت الأنيميا من 42.3% إلى 8% خلال الفترة نفسها.

خالد عبدالغفار: النجاح الحقيقي يبدأ قبل الولادة
وأكد الدكتور خالد عبدالغفار أن الدولة تولي ملف صحة وتغذية الأطفال اهتمامًا باعتباره أحد محاور بناء الإنسان وتحقيق التنمية المستدامة، مشيرًا إلى أن التقزم وسوء التغذية لا يمثلان تحديًا صحيًا فقط، وإنما قضية ترتبط بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية ورأس المال البشري.
وأوضح أن الاستثمار في نمو الطفل وتغذيته هو استثمار في قوة الاقتصاد ومستقبل التنمية، مشددًا على أن المواجهة الحقيقية لمشكلة التقزم وسوء التغذية تبدأ من فترة ما قبل الولادة، وليس عند وصول الطفل إلى سن المدرسة.
وأشار الوزير إلى ضرورة تكثيف التوعية المجتمعية بمخاطر الأنيميا والسمنة والتقزم وطرق الوقاية منها، ودعا شركات الأدوية إلى التوسع في تصنيع المغذيات الدقيقة والمكملات الغذائية اللازمة لدعم صحة الأم خلال الحمل، بما يساعد في تقليل عوامل الخطر وزيادة إتاحة هذه المستحضرات للفئات المستهدفة.
وبهذه الرؤية يصبح معيار النجاح أكبر من عدد الأطفال الذين تم فحصهم أو علاجهم؛ فالهدف النهائي هو تقليل عدد الأطفال الذين يصلون أصلًا إلى مرحلة المرض.
أطفال أمام الحضور.. من التنمر والضعف إلى رحلة العلاج
وراء الجداول والنسب التي ظهرت على شاشات المؤتمر، كانت هناك وجوه حقيقية أعادت القضية إلى حجمها الإنساني.
فقد شارك خلال الفعالية عدد من الأطفال وأسرهم ممن استفادوا من المبادرة، وتحدثوا بعفوية عن رحلة بدأت قبل التشخيص؛ من ملاحظات المحيطين على قِصر القامة والضعف الجسدي، إلى ما تعرض له بعضهم من تنمر بين الأقران وشعور بالاختلاف، ثم الوصول إلى الفحص والتشخيص وبدء العلاج والمتابعة.
تلك الشهادات أوضحت أن المشكلة لا تقتصر على مؤشر صحي في ملف الطفل؛ فقصر القامة الظاهر قد يتحول في المدرسة والشارع إلى سبب للسخرية، بينما يمكن أن يصاحب اضطراب النمو تعب متكرر أو ضعف يؤثر في نشاط الطفل وحياته اليومية.
وفي المقابل، أظهرت تجارب الأسر قيمة أن تتحول نتيجة الفحص إلى رحلة علاج واضحة بدلًا من أن تبقى مجرد ملاحظة أسرية من نوع «هو قصير شوية» أو «طالع لحد في العيلة».
ومن هنا يكتسب شعار «الكشف المبكر هو البداية فقط» معناه الحقيقي؛ فالفحص لا يحقق أثره إلا عندما يقود إلى التشخيص والعلاج والمتابعة.
حمودة الجزار: الأم تسأل عن الوزن.. لكن ماذا عن طول الطفل؟
وخلال الجلسة العلمية المصاحبة للفعاليات، قدم الدكتور حمودة عيد الجزار، وكيل وزارة الصحة بالدقهلية وأستاذ مساعد طب الأطفال، قراءة عملية للمشكلة من واقع التنفيذ على الأرض. وتؤكد التغطيات المنشورة مشاركته بصفته وكيل وزارة الصحة بالدقهلية، إلى جانب خلفيته في طب الأطفال.
وأكد الجزار أن رفع وعي الأسرة بمتابعة نمو الطفل يمثل أحد أهم مفاتيح الكشف المبكر، لافتًا إلى أن كثيرًا من الأمهات يعطين وزن الطفل اهتمامًا كبيرًا؛ تسأل الأم باستمرار هل زاد وزنه وهل يحتاج إلى زيادة الطعام، بينما قد لا يحظى طول الطفل ومعدل نموه بالاهتمام نفسه.
وأشار إلى أن اعتبار قصر القامة أمرًا طبيعيًا أو وراثيًا لمجرد أن الأب أو الأم قصيرا القامة يمثل أحد التحديات أمام الاكتشاف المبكر، لأن هذا الاعتقاد قد يدفع الأسرة إلى تجاهل متابعة الطول ومؤشرات النمو.
وشدد الجزار على ضرورة أن يصبح قياس طول الطفل ووزنه إجراءً أساسيًا خلال المتابعة الصحية والتطعيمات، مؤكدًا أن متابعة النمو لا ينبغي أن تقتصر على زيارات متباعدة أو تنتظر ظهور المشكلة بالعين.
كما أشار إلى دور المبادرات الصحية في زيادة وعي الأسرة، إذ لا ينتهي الأمر عند اكتشاف أنيميا أو مشكلة في النمو؛ بل يتم التواصل مع الأهل وإبلاغهم بالنتائج وتوجيه الطفل إلى منظومة التأمين الصحي لاستكمال التقييم والعلاج.
اقرأ ايضًا: 10.8 مليون طالب تحت الفحص.. كيف تنقذ مبادرة الكشف المبكر أطفال مصر من الأنيميا والتقزم والسمنة؟
فجوة بين العامين ودخول المدرسة
لكن الجزار طرح أيضًا نقطة تحتاج إلى اهتمام أكبر في المرحلة المقبلة: ما الذي يحدث بعد انتهاء السنوات الأولى وحتى دخول الطفل المدرسة؟
فالفترة من الولادة وحتى عمر عامين تحظى باهتمام كبير من خلال الحديث عن الألف يوم الذهبية والتطعيمات والمتابعة المبكرة، ثم تبدأ المبادرة المدرسية بصورة منظمة عند التحاق الطفل بالتعليم.
وبين المرحلتين توجد سنوات قد تقل فيها متابعة النمو المنتظمة لبعض الأطفال.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى سد الفجوة بين نحو العامين وسن دخول المدرسة عبر زيادة وعي الأسر واستمرار قياس الطول والوزن ومتابعة منحنى النمو داخل خدمات الرعاية الأولية، حتى لا ينتظر اكتشاف المشكلة حتى السادسة.
كما دعا الجزار إلى تطوير جودة التنفيذ نفسه، من خلال إعادة تدريب الفرق الطبية بصورة دورية والتأكد من معايرة أجهزة قياس الطول والوزن قبل دورات الفحص، مؤكدًا أن دقة القياس جزء أساسي من دقة التشخيص.
ليس كل طفل قصير متقزمًا.. وليس «شبه العيلة» تشخيصًا
وهنا يجب التفريق بين مفهومين كثيرًا ما يختلطان: قصر القامة والتقزم.
فقصر القامة وصف لطول الطفل مقارنة بعمره وأقرانه، وقد ترجع أسبابه إلى عوامل وراثية أو طبيعية أو مرضية متعددة. أما التقزم في سياق الصحة العامة وسوء التغذية فهو تعبير عن تأخر النمو الطولي المرتبط غالبًا بتراكم تأثيرات غذائية وصحية وعدوى متكررة خلال مراحل مبكرة من الحياة.
وتوضح منظمة الصحة العالمية أن التقزم ينتج عن ضعف النمو والتطور المرتبط بسوء التغذية والعدوى المتكررة وعدم كفاية الرعاية والتحفيز، ولا يقتصر أثره على الطول الظاهر.
لذلك لا ينبغي اعتبار كل طفل قصير مصابًا بالتقزم، كما لا ينبغي استخدام عبارة «طالع لأبوه» كبديل عن التقييم الطبي.
الفيصل هو منحنى النمو وسرعته والتاريخ الصحي والغذائي والتقييم المتخصص.
التقزم والمناعة.. دائرة المرض وسوء النمو
ولأن التقزم ليس مجرد طول أقل من الطبيعي، فهناك علاقة مهمة بين سوء النمو والمرض.
فمنظمة الصحة العالمية تشير إلى أن الأطفال الذين يعانون تأخر النمو المرتبط بسوء التغذية والعدوى المتكررة يكونون أكثر عرضة للمرض، كما أن العدوى المتكررة نفسها يمكن أن تؤثر في تناول العناصر الغذائية وامتصاصها والاستفادة منها، لتنشأ دائرة بين العدوى وسوء التغذية وضعف النمو.
وهذا يجعل الحماية من التقزم أيضًا جزءًا من حماية الطفل من حلقة متكررة من المرض وسوء النمو.
150.2 مليون طفل.. العالم لم يحسم المعركة
وعالميًا، ما زال التقزم أحد أكبر تحديات تغذية الأطفال.
فبحسب أحدث التقديرات المشتركة لسوء تغذية الأطفال الصادرة عن منظمة الصحة العالمية واليونيسف والبنك الدولي، عانى 150.2 مليون طفل دون الخامسة من التقزم في 2024، بما يعادل 23.2% من أطفال العالم في هذه الفئة العمرية.
كما بلغ عدد الأطفال الذين يعانون الهزال 42.8 مليونًا، بينما عاش 35.5 مليون طفل مع زيادة الوزن.
وتتركز الغالبية العظمى من الأطفال المتقزمين في آسيا وأفريقيا، فيما لا يزال العالم بعيدًا عن المسار المطلوب لتحقيق هدف 2030.

نعمة عابد: قضية تنمية تؤثر في إنتاجية الطفل مستقبلًا
وأكد الدكتور نعمة عابد، ممثل منظمة الصحة العالمية في مصر، أن مصر حققت تقدمًا في خفض معدلات التقزم بوتيرة أسرع من المتوسط العالمي بفضل المبادرة الرئاسية.
وأشار إلى أن التقزم قضية تنموية وليست صحية فقط، لأنه يؤثر في نمو الطفل وقدرته الإنتاجية المستقبلية وينعكس على الاقتصاد، داعيًا إلى استمرار الاهتمام بالألف يوم الأولى من حياة الطفل وتعزيز وعي الأسر.
وتتفق هذه الرسالة مع ما توضحه منظمة الصحة العالمية عن ارتباط التقزم بالأداء التعليمي والقدرات المعرفية والإنتاجية في مراحل لاحقة من الحياة.
من الحمل إلى العامين.. لماذا الألف يوم الذهبية؟
إذا كانت المشكلة يمكن أن تبدأ قبل أن تظهر على الطفل، فإن نقطة الوقاية الطبيعية تصبح أكثر تقدمًا في الزمن.
فمن بداية الحمل وحتى إتمام الطفل عامه الثاني تمتد الألف يوم الأولى أو الذهبية، وهي واحدة من أكثر مراحل النمو حساسية.
وخلالها تتداخل صحة الأم وتغذيتها ونمو الجنين مع الرضاعة الطبيعية والتغذية التكميلية والوقاية من العدوى والرعاية الصحية بعد الولادة.
ولهذا فإن الانتظار حتى المدرسة يعني أن الطفل يكون قد تجاوز بالفعل فترة بالغة الأهمية يمكن خلالها منع جزء كبير من عوامل الخطر.
اليونيسف: الوقاية تبدأ من الأم ولا تنتهي عند المدرسة
وأكدت ناتالي ماير، نائبة ممثل اليونيسف المعنية بالبرامج، أن النهج المصري لمواجهة سوء تغذية الأطفال يقوم على التكامل بين الكشف المبكر في المدارس وربط الحالات بخدمات التشخيص والعلاج والمتابعة، وبين التدخلات الوقائية خلال الألف يوم الذهبية.
وأشارت إلى أن هذه التدخلات تشمل تحسين تغذية الأمهات، ودعم الرضاعة الطبيعية، والتغذية التكميلية السليمة، والوقاية من العدوى.
وهذا يعني أن مكافحة التقزم ليست «دواءً» يعطى للطفل، وإنما منظومة تبدأ بالأم وتستمر مع الطفل عبر التغذية والرعاية والمتابعة.
شيرين عبدالغفار: نحتاج ملفًا يتابع نمو الطفل لا فحصًا منفصلًا
وأكدت الدكتورة شيرين عبدالغفار، أستاذ طب الأطفال والغدد الصماء وسكر الأطفال بجامعة القاهرة وعضو الهيئة العلمية للتأمين الصحي، على ضرورة ألا ينتهي التدخل عند الفحص.
وأشارت إلي أهمية وجود ملفات رقمية للأطفال تسمح بمتابعة مراحل النمو بصورة مستمرة وتكوين قاعدة بيانات يمكن استخدامها في تقييم أداء المنظومة ومعرفة ما تحقق وما يحتاج إلى تطوير.
والمغزى هنا واضح: قياس الطفل مرة واحدة يقدم صورة لحظية، أما متابعة مسار النمو عبر السنوات فتقدم قصة كاملة يمكن أن تكشف الانحراف في توقيت أبكر.
6.6 مليار جنيه وفورات.. عندما يصبح الكشف استثمارًا
ولم تتوقف المناقشات عند التأثير الطبي والاجتماعي، بل امتدت إلى العائد الاقتصادي للكشف المبكر.
وخلال الفعالية، استعرض الدكتور إسلام عنان، أستاذ اقتصاديات الصحة وعلم انتشار الأوبئة، نتائج تقييم اقتصادي للتدخلات الخاصة بالأنيميا والسمنة واضطرابات النمو.
وبحسب الأرقام التي قدمها، حققت المبادرات الثلاث مجتمعة وفورات مقدرة بنحو 34.9 مليار جنيه، مع عائد على الاستثمار بلغ 51%، وإنقاذ 1.7 مليون سنة حياة، وتحقيق 5.2 مليون سنة حياة معدلة بالجودة.
أما التدخل المرتبط بالكشف المبكر عن قِصر القامة واضطرابات النمو، فقد سجل وفق التقييم وفورات مقدرة بنحو 6.6 مليار جنيه وعائدًا على الاستثمار قدره 57%.
وهنا يجب التمييز بين الرقمين: 6.6 مليار جنيه وفورات مقدرة وليست عائدًا ماليًا مباشرًا، بينما نسبة 57% هي مؤشر العائد على الاستثمار كما عرضها التقييم.
وأكد عنان أن أعداد الأطفال الذين تم فحصهم تعكس حجم النشاط، لكنها لا تكفي للحكم على نجاح السياسة الصحية؛ فالمقياس الأهم هو عدد الأطفال الذين تغير مسارهم الصحي، والموارد التي جرى توفيرها، والسنوات الصحية التي تمت حمايتها أو تحسين جودتها.
ساندوز: الأثر يتجاوز النمو البدني
وأكدت الدكتورة ياسمين الحناوي، المديرة التنفيذية للآفاق التسويقية بشركة ساندوز مصر، أهمية استمرار الشراكة بين القطاعات لدعم النمو الصحي للطفل المصري.
وأشارت إلى أن تأثير اضطرابات النمو والتقزم قد يمتد إلى الصحة البدنية والنفسية والقدرات الاستيعابية والتعليمية، مؤكدة دور القطاع الخاص في دعم جهود الدولة وتسريع إتاحة الابتكارات والعلاجات وضمان استدامتها.

التحقيق يعيد السؤال إلى الأسرة: «طوله كام؟»
بعد الأرقام والعروض والتقييمات الاقتصادية، تعود القضية إلى أبسط مكان بدأت منه: البيت.
الأم التي تتابع وزن طفلها كل شهر تحتاج أيضًا أن تعرف أين يقف طوله على منحنى النمو.
والأسرة التي تلاحظ أن طفلها أقصر من أقرانه لا تحتاج إلى الذعر، لكنها أيضًا لا ينبغي أن تكتفي بتفسير الأمر بالوراثة دون تقييم.
والطفل الذي تظهر لديه مشكلة في النمو يحتاج إلى مسار يبدأ بالقياس الصحيح، ثم التشخيص، وتحديد السبب، والتدخل المناسب والمتابعة.
كما أن السنوات بين عمر عامين ودخول المدرسة يجب ألا تتحول إلى منطقة صامتة في متابعة النمو.
المعركة ليست على السنتيمترات
وهكذا يكشف اليوم الوطني لمكافحة التقزم 2026 أن ما بدأ كمبادرة مدرسية لفحص الأطفال يتجه إلى مفهوم أوسع بكثير.
من فحص الطفل في المدرسة إلى متابعة نموه قبلها، ومن علاج المشكلة إلى منعها، ومن التركيز على الطفل وحده إلى صحة الأم أثناء الحمل، ومن عدّ الحالات إلى قياس الأثر الصحي والاقتصادي.
والأهم أن القصص التي رواها الأطفال وأسرهم خلال الحدث أعادت المعنى الإنساني للأرقام: وراء كل نسبة طفل قد يواجه مرضًا أو ضعفًا أو تنمرًا، وأسرة تبحث عن تفسير وعلاج.
ولهذا فإن انخفاض التقزم بين الأطفال المشمولين بالمبادرة من 6.9% إلى 4% ليس نهاية القصة، بل خطوة في اتجاه أكبر.
فالتقزم ليس معركة لإضافة بضعة سنتيمترات إلى طول الطفل، وإنما معركة لحماية صحته ومناعته وقدرته على التعلم والإنتاج، ومنحه فرصة أن يصل إلى كامل إمكاناته قبل أن تضيع سنوات النمو الأكثر أهمية.



