سرطان الغدة الدرقية يقترب من مليون إصابة عالميًا.. والنساء الأكثر تأثرًا

3 من كل 4 حالات بين النساء.. وارتفاع التشخيص لا يعني بالضرورة زيادة خطورة المرض

تقرير: بوابة مصر الصحية

خلال سبتمبر من كل عام، تتجدد حملات التوعية بسرطان الغدة الدرقية عالميًا، فيما تشير الوكالة الدولية لأبحاث السرطان IARC التابعة لمنظمة الصحة العالمية إلى أن شهر سبتمبر هو شهر التوعية بسرطان الغدة الدرقية. كما يُشار إلى 24 سبتمبر في عدد من الحملات الدولية بوصفه يومًا للتوعية بسرطان الغدة الدرقية، وإن كان هذا اليوم ليس مناسبة رسمية معتمدة من منظمة الصحة العالمية مثل بعض الأيام الصحية الأخرى.

والرسالة الأهم في 2026 ليست فقط «اكتشف مبكرًا»، بل أيضًا: لا تبحث عن السرطان بلا داعٍ. فالوكالة الدولية لأبحاث السرطان حذرت هذا العام من أن جزءًا كبيرًا من الزيادة في تشخيص سرطان الغدة الدرقية يرجع إلى الإفراط في التشخيص، أي اكتشاف أورام صغيرة جدًا ربما لم تكن لتسبب أعراضًا أو تهدد حياة المريض طوال عمره.

اقرأ ايضًا: الغدة الدرقية.. “مايسترو” الجسم الصامت وكيف تحميه من الاضطرابات؟

ما سرطان الغدة الدرقية؟

الغدة الدرقية غدة صغيرة على شكل فراشة تقع في مقدمة الرقبة، وتنتج هرمونات تتحكم في كثير من وظائف الجسم، من بينها التمثيل الغذائي ومعدل ضربات القلب ودرجة حرارة الجسم.

ويبدأ سرطان الغدة الدرقية عندما تنمو بعض خلايا الغدة بصورة غير طبيعية وغير منضبطة. وليس سرطان الغدة الدرقية نوعًا واحدًا؛ بل توجد عدة أنواع تختلف بدرجة كبيرة في سلوكها واستجابتها للعلاج.

ومن أكثر الأنواع شيوعًا السرطان الحليمي Papillary، يليه السرطان الجريبي Follicular، بينما توجد أنواع أقل شيوعًا مثل السرطان النخاعي Medullary، والسرطان غير المتمايز Anaplastic، وهو أكثر عدوانية. ويعتمد اختيار العلاج بصورة كبيرة على النوع والمرحلة والخصائص الجينية للورم.

مليون إصابة عالميًا.. والنساء يمثلن ثلاثة أرباع الحالات

بحسب أحدث بيانات الوكالة الدولية لأبحاث السرطان لعام 2024، جرى تشخيص قرابة مليون شخص بسرطان الغدة الدرقية عالميًا، بينما توفي نحو 50 ألف شخص نتيجة المرض.

وجاء سرطان الغدة الدرقية في المرتبة السابعة بين أكثر السرطانات تشخيصًا عالميًا في 2024، وكانت نحو ثلاثة أرباع الحالات الجديدة بين النساء، كما يُعد من أكثر السرطانات تشخيصًا بين النساء الأصغر من 54 عامًا.

وهذه الأرقام تمثل زيادة واضحة مقارنة بتقديرات GLOBOCAN 2022، التي سجلت آنذاك 821,214 حالة جديدة و47,507 وفيات حول العالم.

لكن الزيادة في أعداد الحالات لا تعني بالضرورة أن المرض أصبح أكثر فتكًا.

فالوكالة الدولية لأبحاث السرطان تشير إلى أن معدلات الوفاة ظلت منخفضة ومستقرة نسبيًا رغم الزيادة الكبيرة في التشخيص، وهو ما يدعم فكرة أن جزءًا من الارتفاع يرجع إلى اكتشاف أورام صغيرة جدًا لم تكن لتسبب ضررًا سريريًا.

مصر.. أكثر من 2600 حالة جديدة سنويًا وفق أحدث تقدير دولي

أما في مصر، فلا توجد حتى الآن بيانات وطنية منشورة لعام 2026 عن عدد الحالات الجديدة يمكن مقارنتها عالميًا، ولذلك تظل أحدث الأرقام الدولية القابلة للمقارنة هي تقديرات GLOBOCAN 2022.

وبحسب الوكالة الدولية لأبحاث السرطان، سجلت مصر نحو 2612 حالة جديدة من سرطان الغدة الدرقية، و483 وفاة، مع وجود نحو 7878 شخصًا كانوا يعيشون خلال خمس سنوات من التشخيص.

ويحتل سرطان الغدة الدرقية المرتبة الثالثة عشرة بين السرطانات من حيث عدد الحالات الجديدة في مصر وفق هذه التقديرات.

ومن المهم التأكيد أن هذه الأرقام ليست إحصاءً مصريًا لعام 2026، وإنما أحدث تقدير دولي متاح على مستوى الدولة حتى الآن.

الأعراض.. عقدة في الرقبة قد تكون العلامة الأولى

في كثير من الحالات، لا يسبب سرطان الغدة الدرقية أعراضًا واضحة في بدايته، وقد يُكتشف مصادفة أثناء فحص أو تصوير للرقبة.

لكن هناك علامات ينبغي الانتباه إليها، من أهمها:

* ظهور عقدة أو كتلة في الرقبة.

* تضخم أو تورم في الغدد الليمفاوية بالرقبة.

* تغير أو بحة مستمرة في الصوت.

* صعوبة البلع.

* صعوبة التنفس.

* ألم أو ضغط مستمر في منطقة الرقبة.

وجود واحدة من هذه العلامات لا يعني أن الشخص مصاب بالسرطان؛ فالغالبية العظمى من عقد الغدة الدرقية ليست سرطانية، لكن استمرار الأعراض أو زيادة حجم العقدة يستدعي التقييم الطبي.

ليس كل عقدة تستدعي الخوف.. وهنا تأتي مشكلة الإفراط في التشخيص

واحدة من أهم الرسائل التي تطرحها IARC في 2026 هي أن البحث المكثف عن سرطان الغدة الدرقية لدى أشخاص بلا أعراض قد يسبب ضررًا بدلًا من الفائدة.

وتشير الوكالة إلى أن الإفراط في التشخيص قد يمثل نسبة كبيرة من الحالات في بعض البلدان، تصل في بعض التقديرات إلى 90%. ويعني ذلك اكتشاف أورام ربما لم تكن لتكبر أو تسبب أعراضًا أو وفاة خلال حياة الشخص.

ولهذا لا توصي الإرشادات العالمية عادة بإجراء فحص شامل للغدة الدرقية لكل الناس الذين لا يعانون أعراضًا أو عوامل خطورة.

فالهدف ليس اكتشاف أكبر عدد ممكن من السرطانات، وإنما اكتشاف السرطانات التي يمكن أن تهدد الصحة وتحتاج فعلًا إلى علاج.

ما عوامل الخطر؟

ليس كل من يصاب بسرطان الغدة الدرقية لديه عامل خطر واضح، لكن بعض العوامل ترتبط بزيادة الاحتمال.

ومن أبرزها التعرض للإشعاع المؤين، خاصة في مرحلة الطفولة أو المراهقة، سواء نتيجة العلاج الإشعاعي للرأس والرقبة أو التعرض لمصادر إشعاعية أخرى. كما تشير IARC إلى أن التعرض لليود المشع I-131 وبعض أنواع الأشعة السينية وأشعة جاما من عوامل الخطر المعروفة.

وتوجد كذلك عوامل وراثية في بعض الأنواع، خصوصًا السرطان النخاعي، الذي قد يرتبط بطفرات في جين RET.

كما تشير أبحاث IARC إلى وجود علاقة بين زيادة الوزن والسمنة وزيادة خطر بعض سرطانات الغدة الدرقية، وإن كانت الوقاية من المرض لا تعتمد على عامل واحد.

هل يمكن الوقاية؟

لا توجد طريقة تضمن الوقاية الكاملة من سرطان الغدة الدرقية، لأن كثيرًا من الحالات تحدث دون سبب يمكن تجنبه.

لكن تقليل التعرض غير الضروري للإشعاع، والحفاظ على وزن صحي، والمتابعة الطبية في حالة وجود تاريخ عائلي قوي أو متلازمات وراثية معروفة قد يساعد في تقليل المخاطر أو اكتشاف الحالات المهمة مبكرًا.

والرسالة الأهم في 2026 هي أيضًا تجنب الفحوص غير الضرورية للأشخاص الأصحاء بلا أعراض؛ لأن الإفراط في التشخيص قد يقود إلى جراحات وعلاجات ومتابعة مدى الحياة دون فائدة حقيقية لبعض المرضى.

العلاج.. الجراحة لا تزال الأساس لكن المشهد تغير

يعتمد العلاج على نوع السرطان ومرحلته وعمر المريض وانتشاره وخصائصه الجينية.

في كثير من سرطانات الغدة الدرقية المتمايزة، تظل الجراحة هي العلاج الأساسي، وقد يتبعها في بعض الحالات العلاج باليود المشع.

ويحتاج بعض المرضى بعد استئصال الغدة إلى تناول هرمون الغدة الدرقية مدى الحياة، ليس فقط لتعويض نقص الهرمون، ولكن أحيانًا أيضًا لخفض هرمون TSH الذي قد يحفز نمو بعض خلايا سرطان الغدة الدرقية.

لكن التطور الأكبر خلال السنوات الأخيرة جاء من العلاجات الموجهة.

سرطان الغدة الدرقية

عصر العلاج الموجه.. الجينات أصبحت تحدد الدواء

أصبح فحص الطفرات الجينية جزءًا مهمًا في علاج بعض حالات سرطان الغدة الدرقية المتقدم.

ومن أبرز الأدوية المستخدمة حاليًا مثبطات التيروزين كيناز مثل Lenvatinib وSorafenib وCabozantinib وVandetanib، إلى جانب أدوية تستهدف تغيرات جينية محددة مثل Selpercatinib وPralsetinib وLarotrectinib وEntrectinib.

ويمثل Selpercatinib أحد أهم الأمثلة على انتقال العلاج إلى الطب الدقيق.

ففي يونيو 2024 منحت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية FDA موافقة كاملة للدواء في بعض حالات سرطان الغدة الدرقية المتقدم أو المنتشر الذي يحمل اندماجًا في جين RET ولا يستجيب لليود المشع. وسجل العلاج معدلات استجابة مرتفعة في الدراسات السريرية.

وفي سبتمبر 2024 حصل الدواء أيضًا على موافقة كاملة لعلاج السرطان النخاعي للغدة الدرقية المتقدم أو المنتشر الذي يحمل طفرة RET، للبالغين والأطفال من عمر عامين فأكثر ممن يحتاجون علاجًا دوائيًا عامًا.

وفي يوليو 2026 وسعت FDA الموافقة الكاملة على Selpercatinib لتشمل أورامًا صلبة أخرى محلية متقدمة أو منتشرة تحمل اندماج RET وفق شروط محددة، ما يعكس الاتجاه المتزايد نحو علاج الورم بناءً على بصمته الجينية وليس فقط العضو الذي بدأ منه.

كما وافقت FDA في أغسطس 2026 على توسيع استخدام اختبار TruSight Oncology Comprehensive ليشمل الكشف عن اندماجات RET في سرطان الغدة الدرقية وطفرات RET في السرطان النخاعي، للمساعدة في تحديد المرضى الذين قد يستفيدون من Selpercatinib.

ماذا يعني ذلك للمريض؟

يعني أن تشخيص سرطان الغدة الدرقية لم يعد يتوقف فقط عند سؤال: ما حجم الورم؟ وهل انتشر؟

في بعض الحالات المتقدمة أصبح السؤال أيضًا: ما الطفرة التي يحملها الورم؟

فالاختبارات الجزيئية قد تفتح الباب أمام دواء يستهدف تغيرًا محددًا داخل الخلية السرطانية، وهو أحد أهم التحولات في علاج الأورام خلال السنوات الأخيرة.

لكن هذه الأدوية ليست مناسبة لكل المرضى، وقد تسبب آثارًا جانبية مهمة، ولذلك لا تستخدم إلا تحت إشراف فريق متخصص وبعد تحديد نوع الورم والطفرة بدقة.

سرطان شائع نسبيًا.. لكنه غالبًا قابل للعلاج

رغم الزيادة الواضحة في أعداد الحالات عالميًا، فإن كثيرًا من سرطانات الغدة الدرقية، خصوصًا النوع الحليمي في مراحله المبكرة، تتمتع بمعدلات علاج وبقاء مرتفعة جدًا.

لكن الصورة تختلف في السرطانات المتقدمة أو النخاعية أو غير المتمايزة، ولذلك فإن عبارة «سرطان الغدة الدرقية بسيط دائمًا» ليست دقيقة.

فهناك حالات قليلة العدوانية يمكن مراقبتها أو علاجها بنجاح، وحالات أخرى تحتاج إلى جراحة وعلاج إشعاعي أو دوائي معقد وفحوص جينية متقدمة.

رسالة 2026.. لا تهمل الأعراض ولا تبحث عن المرض بلا سبب

ربما تختصر هذه العبارة الرسالة الجديدة للتوعية بسرطان الغدة الدرقية.

إذا ظهرت عقدة في الرقبة، أو تغير مستمر في الصوت، أو صعوبة في البلع أو التنفس، فالتقييم الطبي مهم.

لكن في المقابل، لا ينبغي تحويل كل إنسان بلا أعراض إلى سلسلة من الأشعات والفحوص بحثًا عن أورام صغيرة لا تمثل تهديدًا له.

وهذا بالضبط ما تحذر منه الوكالة الدولية لأبحاث السرطان في حملة التوعية لعام 2026: النجاح لا يعني أن نكتشف مزيدًا من سرطانات الغدة الدرقية، وإنما أن نكتشف السرطانات التي تستحق التدخل، ونعالجها بالطريقة المناسبة وفي الوقت المناسب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top