منظمة الصحة العالمية: مريض من كل 10 يتعرض للضرر أثناء الرعاية.. ونحو نصف هذا الضرر يمكن تجنبه
في مصر.. 2026 «عام صوت المريض» و5 منشآت تحصل على اعتراف كمنشآت صديقة لسلامة المرضى وتخريج أكثر من 2000 سفير للسلامة
تقرير: رجاء ناجي
حين يدخل المريض إلى مستشفى أو عيادة أو وحدة صحية، يفترض أن تكون كل خطوة في رحلته جزءًا من العلاج: التشخيص الصحيح، الدواء المناسب، الجراحة الآمنة، منع العدوى، التعرف الصحيح على هويته، التواصل الجيد بين أعضاء الفريق الطبي، والمتابعة بعد الخروج.
لكن الرعاية نفسها قد تتحول أحيانًا إلى مصدر للضرر
لهذا لم تعد سلامة المرضى ملفًا فرعيًا داخل المستشفيات أو مسؤولية إدارة جودة منفصلة، وإنما أصبحت وفق منظمة الصحة العالمية أحد أعمدة النظم الصحية الحديثة، وشرطًا أساسيًا لأي حديث عن الجودة أو التغطية الصحية الشاملة.
وفي 17 سبتمبر من كل عام، يحيي العالم اليوم العالمي لسلامة المرضى، الذي أقرته جمعية الصحة العالمية عام 2019، بهدف رفع الوعي وتقليل الأضرار التي يمكن تجنبها أثناء تقديم الرعاية الصحية. وفي نسخة 2026، انتقلت المنظمة إلى زاوية شديدة الأهمية: كيف نحمي المصابين بالأمراض غير السارية طوال سنوات علاجهم؟
ما معنى سلامة المريض؟
تعرف منظمة الصحة العالمية سلامة المرضى بأنها منع الأذى الذي يمكن تجنبه وتقليل مخاطر الأذى غير الضروري المرتبط بالرعاية الصحية إلى أدنى مستوى مقبول.
لكن المفهوم أوسع من منع «الخطأ الطبي» فقط؛ فهو يشمل بناء منظومة كاملة من السياسات والإجراءات والسلوكيات والتكنولوجيا وبيئة العمل، بحيث تقلل المخاطر بصورة مستمرة، وتمنع الضرر قدر الإمكان، وتحد من تأثير الخطأ إذا وقع.
وهنا يظهر الفارق بين النظرة القديمة والجديدة: قد يقع الخطأ من شخص، لكن جذوره غالبًا ما تكون في النظام نفسه؛ في نقص التواصل، أو ضعف الإجراءات، أو ضغط العمل، أو تصميم غير آمن، أو قصور في التدريب، أو سوء استخدام التكنولوجيا. ولهذا تدعو منظمة الصحة العالمية إلى الانتقال من ثقافة «من أخطأ؟» إلى سؤال أعمق: لماذا سمح النظام بحدوث الخطأ؟ وكيف نمنع تكراره؟
اقرأ ايضًا: التلواني في اليوم العالمي لسلامة المرضى: السلامة ليست احتفالًا سنويًا بل مسؤولية مؤسسية يومية
مريض من كل 10.. حجم المشكلة عالميًا
الأرقام تفسر لماذا أصبحت سلامة المرضى قضية عالمية.
تقدر منظمة الصحة العالمية أن نحو مريض واحد من كل 10 مرضى يتعرض للضرر أثناء تلقي الرعاية الصحية، وأن أكثر من 3 ملايين وفاة سنويًا ترتبط بالرعاية غير المأمونة. كما أن أكثر من نصف حالات الضرر يمكن الوقاية منها.
وفي أماكن الرعاية الأولية والخدمات الخارجية قد يتعرض نحو 4 من كل 10 مرضى لنوع من الأذى، وتشير تقديرات المنظمة إلى أن نسبة كبيرة منه يمكن تجنبها.
ولا يقتصر الضرر على نوع واحد؛ فمن أبرز مخاطره أخطاء الأدوية، والعدوى المرتبطة بالرعاية الصحية، والأخطاء التشخيصية، والإجراءات الجراحية غير الآمنة، وسقوط المرضى، وقروح الضغط، والأخطاء في تحديد هوية المريض، والجلطات الوريدية، وممارسات نقل الدم غير الآمنة.
لماذا اختارت منظمة الصحة العالمية الأمراض المزمنة في 2026؟
تحمل نسخة 2026 من اليوم العالمي لسلامة المرضى عنوان «الرعاية المأمونة للأمراض غير السارية» وشعار «رعاية مأمونة مدى الحياة!».
والاختيار ليس عشوائيًا؛ فالأمراض غير السارية، مثل أمراض القلب والأوعية الدموية والسرطان والسكري وأمراض الجهاز التنفسي المزمنة، مسؤولة عن نحو 74% من الوفيات عالميًا، وغالبًا ما تحتاج إلى متابعة علاجية لسنوات وربما مدى الحياة.
وكلما طالت رحلة العلاج، زادت فرص التعرض لمخاطر السلامة: تشخيص متأخر، دواء بجرعة غير مناسبة، تداخلات دوائية، نقص التنسيق بين أكثر من تخصص، انتقال غير آمن بين المستشفى والمنزل، أو فقدان المعلومات خلال سنوات المتابعة.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن المصابين ببعض الأمراض، ومنها السرطان، قد يصل تعرضهم للأحداث الضائرة أثناء الرعاية إلى مريض من كل ثلاثة.
من التشخيص إلى المنزل.. الخطر لا ينتهي عند باب المستشفى
تؤكد حملة 2026 أن سلامة المريض ليست مرتبطة فقط بالعمليات الجراحية أو غرف العناية المركزة.
فالمخاطر قد تبدأ من الوقاية والكشف المبكر والتشخيص، وتستمر خلال العلاج وإدارة الأدوية، ثم تمتد إلى المتابعة طويلة الأمد والرعاية الذاتية داخل المنزل والمجتمع.
وهذا مهم خصوصًا لمرضى الأمراض المزمنة، الذين يتعاملون مع أكثر من طبيب، ويستخدمون عدة أدوية، وقد يتنقلون بين منشآت صحية مختلفة.
ولهذا تدعو المنظمة إلى نظم صحية أكثر تكاملًا، ورعاية أولية قوية، ودعم العاملين الصحيين، ومشاركة المرضى أنفسهم في قرارات العلاج.
الخطأ الدوائي.. أحد أكبر مصادر الضرر
بحسب منظمة الصحة العالمية، يتعرض مريض واحد من كل 30 مريضًا لأذى مرتبط بالأدوية، وأكثر من ربع هذه الحالات شديدة أو مهددة للحياة.
كما أن الأدوية مسؤولة عن نحو نصف الأذى القابل للوقاية في الرعاية الصحية.
ولهذا فإن سلامة الدواء لا تعني فقط اختيار العلاج الصحيح، وإنما أيضًا التأكد من اسم المريض، والجرعة، والتوقيت، والتداخلات، والحساسية، ومراجعة قائمة الأدوية عند انتقال المريض بين الأقسام أو المنشآت.

التشخيص الآمن.. لأن الخطأ قد يبدأ قبل العلاج
تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن الأخطاء التشخيصية قد تحدث في نسبة تتراوح بين 5 و20% من اللقاءات الطبية، ما يجعل التشخيص نفسه أحد أهم محاور السلامة.
والتشخيص الخاطئ أو المتأخر لا يسبب فقط ضياع الوقت، وإنما قد يؤدي إلى علاج غير مناسب أو تأخر التدخل الصحيح.
ولهذا أعطت منظمة الصحة العالمية في الأعوام الأخيرة أولوية خاصة لتحسين التشخيص، مع التأكيد على أخذ تاريخ مرضي كامل، والفحص الدقيق، وإتاحة الفحوص اللازمة، والتعلم من الأخطاء التشخيصية.
العدوى داخل المنشآت.. عندما يصبح مكان العلاج مصدرًا لمرض جديد
العدوى المرتبطة بالرعاية الصحية تظل واحدة من أكبر تحديات سلامة المرضى عالميًا.
فهي قد تؤدي إلى إقامة أطول بالمستشفى، ومضاعفات طويلة الأمد، وزيادة مقاومة المضادات الحيوية، وأعباء مالية إضافية، ووفيات يمكن تجنبها.
ولهذا فإن غسل اليدين، وسياسات مكافحة العدوى، والتعقيم، والاستخدام الرشيد للمضادات الحيوية ليست إجراءات شكلية؛ بل أدوات مباشرة لحماية حياة المرضى.
سلامة المريض لا تعني البحث عن مذنب
أحد أهم التحولات في مفهوم سلامة المرضى عالميًا هو الانتقال من ثقافة العقاب إلى ثقافة التعلم.
تقول منظمة الصحة العالمية إن معظم الأخطاء التي تسبب الضرر لا تقع بسبب شخص واحد، وإنما نتيجة تداخل عوامل متعددة، مثل قصور العمليات وسوء التنسيق وضغط العمل والإنهاك وضعف التواصل ونقص الموارد.
وهذا لا يلغي المساءلة عن الإهمال، لكنه يعني أن المؤسسات الأكثر أمانًا هي التي تشجع على الإبلاغ عن الأحداث، وتحلل أسبابها، وتتعلم منها بدلًا من إخفائها.
المريض نفسه شريك في الأمان
في المفهوم الحديث، لم يعد المريض مجرد متلقٍ للخدمة.
فمنظمة الصحة العالمية تعتبر إشراك المرضى وأسرهم إحدى أهم أدوات تقليل الضرر، وتقدر أن المشاركة الفعالة قد تخفض عبء الأذى بنحو 15% إذا طُبقت بالشكل الصحيح.
والمشاركة قد تبدأ بأشياء بسيطة: أن يعرف المريض اسم دوائه وجرعته، وأن يسأل قبل أي إجراء، وأن يتأكد الفريق الصحي من هويته، وأن يفهم المريض خطة علاجه ومتى يطلب المساعدة.
مصر في 2026.. من «صوت المريض» إلى رعاية آمنة تمتد طوال العمر
في مصر، اكتسب الاحتفال باليوم العالمي لسلامة المرضى 2026 بُعدًا أكثر ارتباطًا بالممارسة اليومية، بالتزامن مع إعلان وزارة الصحة والسكان العام الجاري «عام صوت المريض»، في توجه يهدف إلى تعزيز الرعاية المتمركزة حول الإنسان، وإشراك المريض وأسرته في تحسين الخدمة واتخاذ القرارات المتعلقة برحلته العلاجية.
وبالتوازي مع ذلك، ركزت الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية «GAHAR» خلال فعاليات اليوم العالمي على القضية التي اختارتها منظمة الصحة العالمية لهذا العام: سلامة رعاية مرضى الأمراض غير السارية على امتداد رحلة علاج قد تستمر سنوات أو العمر كله.
ونظمت الهيئة ويبينارًا علميًا حول رحلة الوقاية من فقدان البصر المرتبط بالأمراض غير السارية ودور معايير الجودة في ضمان «رعاية آمنة مدى الحياة»، بمشاركة خبراء في سلامة المرضى والرعاية الصحية، في محاولة لنقل النقاش من سلامة الإجراء الطبي المنفرد إلى سلامة المسار الكامل للمريض.
أحمد طه: رحلة المريض الطويلة تحتاج إلى منظومة لا إلى تدخل منفرد
وأكد الدكتور أحمد طه، رئيس الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية، أن مريض الأمراض غير السارية يحتاج إلى رعاية مستمرة داخل إطار منظم، لأن رحلة المرض قد تمتد لسنوات وتتشابك خلالها مراحل الوقاية والتشخيص والعلاج والمتابعة والإحالة بين أكثر من تخصص ومستوى للرعاية.
وأشار إلى أن تنسيق هذه المراحل ليس مسألة إدارية، وإنما عنصر مباشر في تقليل المضاعفات وتعزيز سلامة المريض، خاصة في ظل ما تشير إليه الأرقام العالمية من تعرض نحو مريض من كل 10 للضرر أثناء تلقي الرعاية، وإمكانية الوقاية من نسبة كبيرة من هذا الضرر.
وقال طه إن ضمان الاستمرارية الآمنة للرعاية يحتاج إلى معايير واضحة وموحدة، موضحًا أن الهيئة أصدرت 10 كتب لمعايير الجودة والاعتماد لمختلف خدمات الرعاية الصحية، بما يوفر إطارًا موحدًا للمؤسسات الصحية ويدعم تطبيق متطلبات الجودة والسلامة في الممارسة اليومية.
وهنا تصبح وظيفة الاعتماد أكبر من مجرد منح شهادة للمنشأة؛ فالمعيار الحقيقي هو قدرة المؤسسة على الحفاظ على سلامة المريض في كل نقطة من رحلته.

الرعاية الأولية.. خط الدفاع الأول
وربط رئيس هيئة الاعتماد والرقابة الصحية بين سلامة مرضى الأمراض المزمنة وبين الدور الذي تقوم به المبادرات الرئاسية للصحة العامة والرعاية الصحية الأولية.
وأكد أن المبادرات أسهمت في دعم الوقاية والكشف المبكر والتعرف على عوامل الخطورة، بينما تمثل وحدات ومراكز الرعاية الأولية نقطة البداية الطبيعية في رحلة المريض؛ فهي الأقرب إليه في التوعية والكشف المبكر والمتابعة، ومنها يجب أن تبدأ الإحالة المنظمة إلى المستويات الأعلى عندما تستدعي الحالة ذلك.
وتنسجم هذه الرؤية مع توجه منظمة الصحة العالمية في 2026، الذي يعتبر أن سلامة مرضى الأمراض غير السارية لا تبدأ داخل المستشفى، وإنما من الوقاية والكشف المبكر، وتستمر عبر التشخيص والعلاج والمتابعة طويلة الأجل.
السجل الصحي ليس رفاهية.. المعلومات نفسها قد تحمي المريض
وشدد أحمد طه على أهمية الاستفادة من التحول الرقمي والسجلات الصحية الإلكترونية في ضمان استمرارية المعلومات عبر رحلة العلاج.
وتبدو أهمية هذه النقطة بصورة أكبر لدى المريض الذي يتابع مع أكثر من تخصص ويستخدم عدة أدوية ويتنقل بين مستويات مختلفة للرعاية؛ فأي معلومة مفقودة عن التشخيص السابق أو الدواء أو الحساسية أو نتائج الفحوص قد تتحول إلى خطر جديد.
ولهذا فإن السجل الإلكتروني لا يمثل فقط وسيلة لتخزين البيانات، وإنما أداة من أدوات سلامة المرضى، تساعد على تقليل تكرار الإجراءات، وتحسين التواصل بين الأطباء، وضمان استكمال العلاج في المكان والوقت المناسبين.
العين قد تكشف المرض قبل ظهور أعراضه
وقدم الدكتور يحيى صلاح الدين، أستاذ طب وجراحة العيون بجامعة القاهرة، نموذجًا عمليًا لكيف يمكن للكشف المبكر أن يمنع الضرر قبل حدوثه.
وأوضح أن العين قد تكون مؤشرًا مبكرًا لبعض الأمراض المزمنة، من بينها السكري وارتفاع ضغط الدم وبعض الاضطرابات المرتبطة بالمخ والجهاز العصبي، وأن تغيرات تظهر أثناء فحص العين قد تنبه الطبيب إلى مرض لم تبدأ أعراضه بعد.
لكن القيمة الحقيقية لهذا الاكتشاف لا تتحقق بمجرد تحويل المريض إلى تخصص آخر.
فبحسب صلاح الدين، الإحالة الآمنة لا تعني مجرد كتابة تحويل؛ وإنما نقل المعلومات الأساسية، ووضوح خطة المتابعة، والتواصل بين مقدمي الخدمة، والتأكد من أن المريض وصل بالفعل إلى المستوى التالي من الرعاية.
وهذه التفاصيل هي التي تحدد الفارق بين رحلة علاج متكاملة وبين مريض قد يسقط بين حلقات النظام.
تعدد الأطباء والأدوية.. لماذا يصبح التواصل مسألة أمان؟
في الأمراض المزمنة، قد يتابع المريض في الوقت نفسه مع طبيب قلب وآخر للسكر وثالث للعيون أو الكلى، وربما يتناول عدة أدوية بصورة يومية.
وهنا يصبح ضعف التواصل خطرًا في حد ذاته.
فالتداخلات الدوائية، وتكرار الفحوص، وتعارض خطط العلاج أو فقدان معلومة مهمة عند الانتقال من تخصص إلى آخر، كلها أمثلة على ضرر يمكن تجنبه إذا كانت هناك منظومة واضحة لتبادل المعلومات.
ولهذا أكد المشاركون في ويبينار الهيئة أن التواصل بين التخصصات ليس إضافة لتحسين الخدمة، وإنما جزء أصيل من سلامة المريض.
الجودة توفر أيضًا أموال النظام الصحي
ومن زاوية اقتصادية، أكد الدكتور سيد العقدة، عضو مجلس إدارة الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية، أن تطبيق معايير الجودة وسلامة المرضى لا يحمي المريض فقط، وإنما يقلل أيضًا الهدر في الموارد.
فتكرار الفحوص دون داعٍ، أو تأخر التشخيص، أو حدوث مضاعفات بسبب خطأ يمكن تجنبه، كلها تعني إنفاقًا إضافيًا كان يمكن توفيره.
وأشار إلى أن تطبيق البروتوكولات المبنية على الأدلة والاستفادة من البيانات والتكنولوجيا الرقمية يساعدان على توجيه الموارد إلى ما يحقق أكبر فائدة للمريض والنظام الصحي في آن واحد.
وهكذا تصبح سلامة المريض قضية مالية أيضًا: كل خطأ تم منعه هو ضرر لم يقع، وعلاج إضافي لم يُحتج إليه، وموارد أمكن الحفاظ عليها.
عندما لا يعتمد النظام على ذاكرة شخص واحد
وأكدت الدكتورة ميهي التحيوي، عضو مجلس إدارة الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية، أن سلامة مرضى الأمراض غير السارية يجب أن تكون جزءًا من تصميم المنظومة نفسها، لا نتيجة لاجتهاد أفراد بعينهم.
فمعايير الجودة تحدد الأدوار والمسؤوليات ومسارات انتقال المرضى، وتقلل الاعتماد على الذاكرة الفردية للطبيب أو قدرة المريض على فهم نظام علاجي معقد.
كما تتيح وجود آليات لاستدعاء المرضى، ومتابعة الفحوص والرعاية المطلوبة، وضمان استمرار المعلومات عند الانتقال من مستوى صحي إلى آخر.
وهو جوهر مفهوم «النظام الآمن»: أن يكون تصميم الخدمة نفسه قادرًا على تقليل فرص الخطأ.
الخطأ يجب أن يتحول إلى معرفة
وشددت التحيوي كذلك على أهمية تحليل الأخطاء والأحداث غير المرغوبة والاستفادة منها في إعادة تصميم إجراءات الرعاية.
وتتقاطع هذه الرؤية مباشرة مع أحد أهم مبادئ سلامة المرضى عالميًا: أن المؤسسة الآمنة ليست تلك التي تدعي عدم وقوع الخطأ، وإنما التي تكشفه وتفهم أسبابه وتتعلم منه وتمنع تكراره.
فثقافة إخفاء الخطأ لا تحمي المؤسسة، بل قد تترك السبب نفسه قائمًا حتى يصيب مريضًا آخر.
خمس نقاط قد تحول المرض المزمن إلى ضرر يمكن تجنبه
وحدد الدكتور محمد الفيومي، مسؤول برامج سلامة المرضى بمنظمة الصحة العالمية، مجموعة من النقاط الحساسة في رحلة مرضى الأمراض غير السارية، من بينها القصور في الكشف المبكر، وعدم التعرف في الوقت المناسب على علامات التدهور، وتأخر الإحالة، وضعف التواصل وتبادل المعلومات، وعدم استكمال متابعة المريض بعد الإحالة.
وتكمن خطورة هذه النقاط في أنها قد تحول حالة يمكن السيطرة عليها مبكرًا إلى مضاعفات كان من الممكن تجنبها.
وأكد الفيومي أهمية الرعاية الصحية الأولية وإشراك المرضى وأسرهم كشركاء حقيقيين في العلاج، مشيرًا إلى أن المشاركة الفعالة للمرضى وعائلاتهم يمكن أن تسهم في خفض عبء الضرر بنحو 15%.
المريض شريك.. وليس مجرد متلقٍ للخدمة
وهذه النقطة تلتقي مع إعلان مصر 2026 «عام صوت المريض».
فالسلامة لا تتحقق فقط عندما يتأكد الطبيب من وصف الدواء الصحيح، وإنما أيضًا عندما يفهم المريض لماذا يتناوله، وما الجرعة، وما الأعراض التي تستدعي العودة إلى الطبيب، وما الخطوة التالية في رحلة العلاج.
وكلما امتلك المريض المعلومات وأتيحت له فرصة السؤال والمشاركة في القرار، تقل احتمالات أن يضيع وسط رحلة علاج طويلة ومعقدة.
من الاعتماد إلى الثقافة اليومية
ومع توسع منظومة الاعتماد في مصر، أصبح التحدي الحقيقي هو ألا تتحول معايير الجودة إلى قوائم مراجعة تُستكمل قبل زيارة التقييم ثم تختفي بعدها.
فالغاية من الاعتماد ليست الورق، وإنما أن يصبح التحقق من هوية المريض، وسلامة الدواء، ومنع العدوى، والتواصل بين الفرق، ونقل المعلومات عند الإحالة، والاستجابة للأحداث غير المرغوبة سلوكًا يوميًا داخل المنشأة الصحية.
وهنا تلخص كلمات أحمد طه فلسفة اليوم العالمي لسلامة المرضى: رحلة مريض الأمراض المزمنة طويلة، ولذلك لا يمكن ضمان أمانها بتدخل منفرد، بل بمنظومة متصلة تبدأ بالوقاية، وتستمر بالكشف والتشخيص والعلاج والمتابعة والإحالة، ويظل المريض حاضرًا في قلبها طوال الوقت.



