2.4 مليون إصابة جديدة عالميًا في 2024.. وعلامات بسيطة قد تكون جرس إنذار لا ينبغي تجاهله
مع بداية أكتوبر، يعود اللون الوردي إلى الواجهة، لكن شهر التوعية بسرطان الثدي لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد حملة موسمية أو شعار يتكرر كل عام. فجوهر التوعية الحقيقي هو أن تعرف المرأة طبيعة ثدييها، وأن تنتبه إلى أي تغير جديد، وألا تؤجل التقييم الطبي عند ظهور علامة غير معتادة، بالتوازي مع الاستفادة من برامج الكشف المبكر المناسبة.
وتأتي حملة 2026 تحت شعار منظمة الصحة العالمية «كل قصة فريدة.. وكل رحلة مهمة»، في رسالة تضع المريضة وتجربتها في قلب رحلة الرعاية، من الاكتشاف والتشخيص إلى العلاج والدعم والتعافي.
الأرقام تفسر لماذا يظل سرطان الثدي قضية صحية عالمية كبرى. فوفق أحدث تقديرات منظمة الصحة العالمية، شُخصت نحو 2.4 مليون امرأة بسرطان الثدي عالميًا خلال 2024، وتوفيت نحو 694 ألف امرأة بسببه، فيما كان أكثر أنواع السرطان شيوعًا بين النساء في 164 دولة من أصل 186 دولة.
وفي مصر، تشير أحدث بيانات منشورة من المرصد العالمي للسرطان GLOBOCAN إلى تسجيل نحو 26,845 حالة جديدة من سرطان الثدي بين النساء خلال 2022، بما يعادل نحو 34.9% من إجمالي حالات السرطان الجديدة لدى الإناث في تلك التقديرات، ليحتل سرطان الثدي المرتبة الأولى بين السرطانات التي تصيب النساء في مصر.
ليس كل ورم محسوس سرطانًا.. لكن لا تتجاهلي التغير
إحدى أهم رسائل أكتوبر الوردي هي عدم انتظار الألم. سرطان الثدي في مراحله المبكرة قد لا يسبب ألمًا أو أعراضًا واضحة، كما أن وجود كتلة لا يعني تلقائيًا الإصابة بالسرطان، إلا أن أي تغير جديد ومستمر يحتاج إلى تقييم طبي.
وتحدد منظمة الصحة العالمية مجموعة من العلامات التي تستوجب الانتباه، وفي مقدمتها ظهور كتلة أو منطقة سميكة غير معتادة في الثدي، أو حدوث تغير في حجم الثدي أو شكله، أو تغيرات في الجلد أو الحلمة، أو خروج إفرازات غير طبيعية أو دموية من الحلمة.
والقاعدة الأهم هنا بسيطة: لا تحاولي تشخيص التغير بنفسك، ولا تؤجلي زيارة الطبيب انتظارًا لأن يختفي تلقائيًا.
«لا يوجد سرطان ثدي في عائلتي».. ليس ضمانًا
من أكثر المفاهيم التي تحتاج حملات التوعية إلى تصحيحها الاعتقاد بأن سرطان الثدي مرض وراثي بالأساس، وأن عدم وجود تاريخ عائلي يعني عدم وجود خطر.
الواقع مختلف؛ إذ تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو 80% من سرطانات الثدي تحدث لدى نساء ليس لديهن عوامل خطر محددة سوى كونهن إناثًا والتقدم في العمر. ومن عوامل الخطورة المعروفة أيضًا السمنة، واستهلاك الكحول، والتدخين، والتاريخ العائلي للمرض، والتعرض السابق للإشعاع وبعض العوامل المرتبطة بالتاريخ الإنجابي.
لذلك، لا ينبغي أن يكون وجود إصابة في الأسرة هو الشرط الذي يدفع المرأة إلى الاهتمام بصحة الثدي.

الكشف المبكر.. لماذا يصنع فارقًا؟
الهدف من الكشف المبكر ليس مجرد العثور على الورم، وإنما العثور عليه قبل أن يصل إلى مرحلة متقدمة.
وتضع المبادرة العالمية لمكافحة سرطان الثدي التابعة لمنظمة الصحة العالمية ثلاثة أهداف واضحة: تشخيص 60% على الأقل من سرطانات الثدي الغازية في المرحلتين الأولى أو الثانية، والوصول إلى التشخيص خلال 60 يومًا من اكتشاف المشكلة أو ظهور الأعراض أمام المنشأة الصحية، وضمان حصول 80% من المصابات على العلاج الكامل الموصى به.
وتستهدف المبادرة خفض معدل الوفيات بسرطان الثدي عالميًا بنسبة 2.5% سنويًا، وهو ما يمكن أن يسهم، وفق تقديرات المنظمة، في تجنب 2.5 مليون وفاة بحلول عام 2040.
وهنا يجب التفريق بين الوعي بالثدي وبين برامج الفحص. معرفة المرأة بالشكل والطبيعة المعتادة لثدييها تساعدها على ملاحظة التغيرات، لكنها لا تعني أن الفحص الذاتي وحده بديل عن التقييم الطبي أو الماموجرام عندما يكون موصى به. وتوصي منظمة الصحة العالمية باستخدام الماموجرام للفئات العمرية المستهدفة في الأنظمة الصحية التي تتوافر بها برامج فحص مناسبة.
لم يعد سرطان الثدي مرضًا واحدًا
ربما يكون هذا هو التحول الأهم في علاج سرطان الثدي خلال السنوات الأخيرة. فالأطباء لا يتعاملون اليوم مع «سرطان الثدي» بوصفه مرضًا واحدًا له علاج موحد.
تحليل الورم لمعرفة مستقبلات الهرمونات وHER2، إلى جانب خصائص جزيئية وجينية أخرى في حالات مختارة، أصبح قادرًا على توجيه اختيار العلاج بدرجة أكبر من الدقة. وبذلك قد تختلف الخطة بصورة كبيرة بين مريضتين تحملان التشخيص نفسه ظاهريًا.
وتشمل خيارات العلاج، بحسب نوع الورم ومرحلته وخصائص المريضة، الجراحة والعلاج الإشعاعي والعلاج الكيميائي والعلاج الهرموني والعلاجات الموجهة والعلاج المناعي، وقد تستخدم منفردة أو في مجموعات مختلفة.
2026.. ماذا حدث في علاجات سرطان الثدي؟
شهدت الفترة الأخيرة تطورات لافتة تؤكد اتجاه علاج سرطان الثدي نحو الطب الشخصي؛ أي اختيار العلاج استنادًا إلى الخصائص البيولوجية والجزيئية للورم، وليس إلى مكانه ومرحلته فقط.
ومن أبرز التحولات توسع استخدام فئة الأجسام المضادة المقترنة بالأدوية ADCs، التي تعمل بصورة مبسطة على توصيل العلاج المضاد للسرطان إلى الخلايا التي تحمل أهدافًا معينة. ففي 2025 توسع اعتماد trastuzumab deruxtecan ليشمل بعض حالات سرطان الثدي المتقدم المصنفة HER2-low وحتى HER2-ultralow، وهو ما وسع مفهوم الأورام التي يمكن استهدافها بعلاجات HER2.
وفي ديسمبر 2025، اعتمدت هيئة الغذاء والدواء الأمريكية الجمع بين trastuzumab deruxtecan وpertuzumab كخيار خط أول لبعض حالات سرطان الثدي HER2-positive غير القابل للاستئصال أو المنتشر.
كما شهد سرطان الثدي الثلاثي السلبي تطورات جديدة؛ ففي مايو 2026 اعتمدت FDA عقار datopotamab deruxtecan لبعض حالات المرض غير القابل للاستئصال أو المنتشر، وفي يونيو توسعت خيارات sacituzumab govitecan في الخط الأول، منفردًا لبعض المرضى أو بالاشتراك مع pembrolizumab في حالات محددة وفق تعبير PD-L1.
تحليل جيني قد يغير قرار العلاج
ويتقدم العلاج الدقيق أيضًا في الأورام الحساسة للهرمونات. ففي مايو 2026 اعتمدت FDA دواء vepdegestrant لبعض حالات سرطان الثدي المتقدم ER-positive/HER2-negative التي تحمل طفرة ESR1 بعد تقدم المرض عقب علاج هرموني سابق.
وتوالت التطورات خلال العام؛ ففي سبتمبر 2026 حصل camizestrant مع أحد مثبطات CDK4/6 على موافقة معجلة لفئة محددة من المرضى بعد اكتشاف طفرة ESR1 أثناء العلاج، كما اعتُمد في الشهر نفسه imlunestrant مع abemaciclib لبعض الحالات المتقدمة الحاملة للطفرة نفسها.
المغزى بالنسبة للمريضة ليس حفظ أسماء الأدوية الجديدة، وإنما إدراك أن اختبارات الورم والجينات المرتبطة به قد تصبح جزءًا حاسمًا من اختيار العلاج في بعض الحالات، وأن العلاج الذي يناسب مريضة ليس بالضرورة هو الأفضل لأخرى.

تقدم العلاج لا يلغي أهمية الوقت
ورغم التطور السريع في الأدوية والجراحات والعلاج الإشعاعي، يبقى أحد أقوى الأسلحة ضد سرطان الثدي أبسطها: الوصول مبكرًا إلى التشخيص والعلاج المناسب.
وتكشف أرقام منظمة الصحة العالمية حجم الفجوة العالمية؛ فالبقاء على قيد الحياة لمدة خمس سنوات بعد تشخيص سرطان الثدي يقدر بنحو 87% في البلدان مرتفعة الدخل مقابل 41% في البلدان منخفضة الدخل، بينما تقع نحو 70% من وفيات سرطان الثدي في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل. وهذه الفوارق ترتبط، من بين عوامل أخرى، بتفاوت الوصول إلى التشخيص المبكر والعلاج الشامل في الوقت المناسب.
أكتوبر الوردي.. من التوعية إلى الفعل
الرسالة الأهم في شهر التوعية بسرطان الثدي ليست أن تعيش المرأة خائفة من المرض، وإنما ألا تتجاهل جسدها.
ظهور كتلة جديدة، أو تغير في شكل الثدي أو الجلد أو الحلمة، أو إفرازات غير معتادة، لا يعني بالضرورة وجود سرطان، لكنه يعني أن التقييم الطبي لا ينبغي تأجيله.
وفي المقابل، فإن غياب الأعراض لا يلغي أهمية الالتزام ببرامج الكشف المناسبة للعمر ومستوى الخطورة وفق توصية الطبيب والنظام الصحي المتاح.
لقد انتقل علاج سرطان الثدي إلى مرحلة أكثر دقة وتخصيصًا، وأصبح تحليل بيولوجيا الورم قادرًا في بعض الحالات على فتح أبواب علاجية لم تكن موجودة قبل سنوات قليلة. لكن كل هذا التقدم يبدأ من الخطوة الأولى: وعي لا يثير الذعر، وكشف لا ينتظر الأعراض المتقدمة، وتشخيص سريع، وعلاج مناسب لكل حالة.



