دراسة دولية تكشف أن نحو ثلث النساء ينتظرن 4 سنوات أو أكثر لاكتشاف المرض.. وأعراض جسدية تُفسَّر خطأً باعتبارها اضطرابات نفسية.
كشفت دراسة علمية دولية حديثة عن تفاوت لافت بين النساء والرجال في تشخيص أمراض المناعة الذاتية، إذ تواجه النساء فترات انتظار أطول للحصول على التشخيص الصحيح، فضلًا عن تعرضهن بصورة أكبر لتفسير أعراضهن الجسدية باعتبارها اضطرابات نفسية، مثل القلق والاكتئاب، رغم ارتباطها بأمراض عضوية تحتاج إلى متابعة وعلاج متخصص.
وأظهرت الدراسة، التي أجراها باحثون من جامعتي كامبريدج وإيست أنجليا البريطانيتين، ونُشرت في 12 أكتوبر 2026 بدورية eClinicalMedicine التابعة لمجموعة «ذا لانسيت»، أن نحو ثلث النساء المشاركات انتظرن أربع سنوات أو أكثر منذ ظهور الأعراض حتى تشخيص إصابتهن بأحد أمراض المناعة الذاتية.
وتسلط النتائج الضوء على تحدٍ مهم في الرعاية الصحية، يتمثل في صعوبة التعرف المبكر على الأمراض التي تتداخل أعراضها مع حالات صحية أخرى، وما قد يصاحب ذلك من تفاوت في التعامل مع شكاوى المرضى تبعًا للجنس، بما ينعكس على سرعة الوصول إلى التشخيص والعلاج المناسبين.
60% من النساء ينتظرن أكثر من عام للتشخيص
اعتمدت الدراسة على تحليل تجارب 6607 أشخاص مصابين بأمراض المناعة الذاتية، من خلال استطلاع دولي أُجري بين ديسمبر 2024 ومارس 2025، بهدف مقارنة الفترة الزمنية اللازمة للوصول إلى التشخيص، وعدد الاستشارات الطبية، والتشخيصات التي تلقاها المرضى قبل اكتشاف المرض الفعلي.
وأظهرت النتائج أن 60.4% من النساء انتظرن أكثر من عام للحصول على التشخيص الصحيح، في حين حصل ما يقرب من نصف الرجال المشاركين على تشخيص خلال السنة الأولى من ظهور الأعراض.
كما تبين أن الفترة الأكثر شيوعًا للوصول إلى التشخيص بين الرجال كانت أقل من ثلاثة أشهر، مقارنة بفترة تراوحت بين عام وعامين لدى النساء.
ولم تقتصر الفوارق على مدة الانتظار، إذ أفادت المشاركات بأنهن احتجن إلى زيارات واستشارات طبية أكثر قبل تحديد طبيعة المرض، ما يعكس طول الرحلة التي تمر بها بعض المريضات للوصول إلى تفسير واضح لأعراضهن.
اقرأ ايضًا: ليس المبيض وحده.. أطلس جديد يكشف ماذا يحدث لأعضاء المرأة في سن اليأس
أعراض عضوية تُفسر باعتبارها اضطرابات نفسية
كانت إحدى أبرز النتائج المتعلقة بالتشخيصات النفسية التي أبلغ عنها المشاركون، حيث كشفت الدراسة أن نسبة أكبر من النساء تلقين تفسيرات نفسية لأعراضهن قبل اكتشاف الإصابة بمرض مناعي ذاتي.
فقد أفادت 43.3% من النساء بأن أعراضهن نُسبت في مرحلة سابقة إلى أسباب نفسية أو اضطرابات في الصحة النفسية، مقارنة بنحو 32.7% من الرجال.
كما ذكرت 33.9% من النساء أن أعراضهن صُنفت باعتبارها «نفسية جسدية»، مقابل 21.5% من الرجال.
ويقصد بالأعراض النفسية الجسدية الأعراض البدنية التي يُعتقد أن العوامل النفسية تسهم في ظهورها أو تفاقمها، وهو تفسير قد يكون مناسبًا لبعض الحالات، لكنه قد يؤدي إلى تأخر اكتشاف مرض عضوي إذا جرى الاعتماد عليه دون تقييم طبي كافٍ.
وبعد مراعاة عوامل مثل العمر ونوع المرض والمنطقة الجغرافية والوضع المالي للأسرة، ظلت النساء أكثر عرضة للإبلاغ عن هذه التشخيصات؛ إذ ارتفعت أرجحية الإبلاغ عن تشخيص نفسي خاطئ لديهن بنحو 46%، وعن تشخيص نفسي جسدي خاطئ بنحو 74%، مقارنة بالرجال.
وتشير النتائج إلى أهمية إعادة تقييم الأعراض المستمرة أو المتغيرة، بدلًا من الاكتفاء بتفسير نفسي مبكر قد لا يعكس الصورة المرضية الكاملة.
لماذا يصعب تشخيص أمراض المناعة الذاتية؟
تحدث أمراض المناعة الذاتية عندما يهاجم الجهاز المناعي أنسجة الجسم وخلاياه السليمة عن طريق الخطأ، ما يؤدي إلى التهابات واضطرابات قد تصيب أعضاء مختلفة.
وتشمل هذه الأمراض الذئبة الحمراء الجهازية، والتهاب المفاصل الروماتويدي، والتصلب المتعدد، وبعض أمراض الغدة الدرقية المناعية، والسكري من النوع الأول.
وتشير تقديرات علمية إلى أن النساء يمثلن نحو 70% إلى 80% من إجمالي المصابين بأمراض المناعة الذاتية، مع اختلاف واضح في نسب الإصابة بين مرض وآخر.
وتكمن صعوبة التشخيص في أن كثيرًا من هذه الأمراض يبدأ بأعراض عامة وغير محددة، مثل الإرهاق المزمن وآلام المفاصل والعضلات واضطرابات النوم وتقلبات المزاج، وهي أعراض قد تظهر أيضًا لدى أشخاص يعانون القلق أو الاكتئاب أو حالات صحية أخرى.
كما أن بعض الأمراض المناعية لا يمكن تأكيدها من خلال تحليل واحد، وإنما تتطلب تقييم التاريخ المرضي والفحص الإكلينيكي والاختبارات المعملية المناسبة، وأحيانًا متابعة تطور الأعراض على مدار فترة زمنية.
ويزيد الأمر تعقيدًا أن بعض الأعراض قد تظهر وتختفي بصورة متقطعة، أو تصيب أجهزة متعددة داخل الجسم، ما يجعل الربط بينها وبين مرض مناعي واحد أكثر صعوبة.
هل تؤثر التحيزات الطبية على تشخيص النساء؟
أثارت نتائج الدراسة تساؤلات بشأن مدى استمرار التحيزات المرتبطة بالجنس في الممارسات الطبية، خاصة عند التعامل مع أعراض يصعب تفسيرها بالفحوص الأولية.
وقالت شيستا طيابالي، الباحثة المشاركة في الدراسة، إن الفروق الملحوظة بين النساء والرجال تشير إلى احتمال استمرار تأثير بعض التصورات التاريخية المتعلقة بصحة المرأة على مسار التشخيص.
وأشارت إلى أن هذه الفجوات قد ترتبط بعوامل متعددة، من بينها نقص بعض الأبحاث المتخصصة في صحة المرأة، والتصورات المسبقة بشأن طبيعة الأعراض، فضلًا عن احتمال انتقال التحيزات الموجودة في البيانات الطبية إلى نماذج الذكاء الاصطناعي المستخدمة في المجال الصحي.
وتؤكد هذه التفسيرات الحاجة إلى مزيد من البحث؛ فالدراسة أظهرت تفاوتًا واضحًا في التجارب التشخيصية المبلغ عنها، لكنها لم تثبت أن التحيز على أساس الجنس هو السبب المباشر وراء جميع حالات التأخير أو التشخيص الخاطئ.
التأخر في التشخيص.. مضاعفات جسدية ونفسية
لا تتوقف تداعيات التشخيص المتأخر عند استمرار معاناة المريض من الأعراض، بل قد تمتد إلى تأخير بدء العلاج المناسب، خاصة في الأمراض المناعية التي يمكن أن تؤدي إلى تلف الأنسجة أو الأعضاء إذا ظلت نشطة دون سيطرة علاجية.
ففي بعض حالات التهاب المفاصل الروماتويدي، على سبيل المثال، قد يؤدي استمرار الالتهاب دون علاج إلى تلف المفاصل، بينما يمكن أن تؤثر الذئبة الحمراء في أعضاء حيوية مثل الكلى والقلب والجهاز العصبي.
كما أن تكرار الزيارات الطبية دون الوصول إلى تفسير واضح قد يضيف أعباء مالية ونفسية على المرضى وأسرهم، ويؤثر في قدرتهم على العمل وممارسة الحياة اليومية.
وتشير الباحثة ميلاني سلون، من جامعة كامبريدج، إلى أن تفسير الأعراض غير الواضحة باعتبارها نفسية في مرحلة مبكرة قد يؤدي إلى مشكلات تتجاوز تأخر التشخيص، من بينها تراجع ثقة المريض في الأطباء وفي قدرته على وصف ما يعانيه بصورة صحيحة.
ومن هنا، تبرز أهمية التواصل الجيد بين الطبيب والمريض، وتوضيح أسباب عدم اليقين التشخيصي، ووضع خطة للمتابعة وإعادة التقييم عند استمرار الأعراض أو ظهور علامات جديدة.
خبير بريطاني: لا يجب استبعاد المرض العضوي بسبب الأعراض النفسية
أكد البروفيسور ديفيد دي كروز، استشاري أمراض الروماتيزم في مستشفى غايز بلندن، أن النتائج لا تعني أن التشخيصات النفسية تكون خاطئة في جميع الحالات، إذ يمكن أن يعاني المريض من مرض مناعي ذاتي واضطراب نفسي في الوقت نفسه.
وأوضح أن بعض الأمراض المناعية، وعلى رأسها الذئبة الحمراء، قد تؤثر بصورة مباشرة في الجهاز العصبي والدماغ، وتسبب أعراضًا نفسية أو عصبية بوصفها جزءًا من المرض نفسه.
كما أن الإصابة بمرض مزمن قد تؤدي إلى القلق أو الاكتئاب نتيجة الألم المستمر والضغوط المرتبطة بالعلاج وتغير نمط الحياة.
وشدد على ضرورة أن يحافظ الأطباء على الانفتاح التشخيصي عند مواجهة أعراض مستمرة أو متعددة الأجهزة، وألا يؤدي وجود تفسير نفسي محتمل إلى إغلاق الباب أمام البحث عن أسباب عضوية أخرى.
كيف يمكن تقليل أخطاء التشخيص؟
يرى الباحثون أن تحسين تشخيص أمراض المناعة الذاتية يتطلب تطوير الممارسات الطبية، خاصة في الرعاية الأولية التي تمثل نقطة الاتصال الأولى لكثير من المرضى.
وتشمل الإجراءات المهمة الإصغاء الجيد لشكاوى المرضى، وتقييم الأعراض بصورة شاملة، ومراجعة التشخيصات السابقة عندما تتغير الحالة الصحية، وتحديد الحالات التي تستدعي الإحالة إلى متخصص في أمراض الروماتيزم أو المناعة.
كما تؤكد الدراسة أهمية توعية الأطباء بالفروق المحتملة في التجارب التشخيصية بين النساء والرجال، وتجنب الاستنتاجات المبكرة التي قد تؤدي إلى إغفال بعض الأمراض العضوية.
وفي الوقت نفسه، فإن إجراء فحوص مناعية بصورة عشوائية لكل من يشكو التعب أو الألم ليس الحل، إذ يجب اختيار التحاليل بناءً على الأعراض والفحص السريري والاشتباه الطبي، لتجنب النتائج المضللة والتشخيص الزائد.
نتائج مهمة.. لكن الدراسة لها حدود
ورغم أهمية النتائج، أكد الباحثون أن الدراسة استكشافية وتعتمد على تجارب المرضى التي أبلغوا عنها بأنفسهم، وليس على مراجعة مستقلة لكل تشخيص سابق.
كما أن النساء مثلن نحو 91.2% من المشاركين، وكانت غالبية العينة من المملكة المتحدة ومن ذوي الخلفيات البيضاء، ما يحد من إمكانية تعميم النسب نفسها على جميع المرضى أو الأنظمة الصحية حول العالم.
ولذلك، فإن الدراسة لا تعني أن جميع النساء المصابات بأمراض المناعة الذاتية يتعرضن للتشخيص الخاطئ، لكنها تكشف عن فجوة مهمة تستدعي المزيد من الدراسات والتدخلات لتحسين العدالة والدقة في التشخيص.
رسالة للنساء.. لا تتجاهلن الأعراض المستمرة
تقدم نتائج الدراسة رسالة مهمة للنساء اللاتي يعانين أعراضًا جسدية متكررة دون تفسير واضح، بضرورة متابعة حالتهن الطبية والعودة للطبيب عندما تستمر الأعراض أو تتطور أو تظهر أعراض جديدة، حتى إذا كانت الفحوص الأولية طبيعية.
ومن المهم كذلك الاحتفاظ بسجل للأعراض وتوقيتها والفحوص السابقة، ومناقشة الحاجة إلى تقييم إضافي أو رأي طبي متخصص عند وجود مؤشرات تستدعي ذلك.
وتكشف الدراسة عن قضية أوسع من مجرد التأخر في اكتشاف مرض؛ إنها تتعلق بحق المريض في أن تؤخذ شكواه بجدية، وأن يخضع لتقييم طبي متوازن لا يستبعد المرض العضوي لمجرد وجود أعراض نفسية مصاحبة.
فالتشخيص الدقيق يبدأ بالاستماع الجيد للمريض، ويمتد إلى الفحص والمتابعة والاستعداد لمراجعة الافتراضات الأولى عندما تظهر معلومات جديدة.
وفي أمراض المناعة الذاتية، قد يمثل تقصير سنوات الانتظار خطوة أساسية نحو تقليل المعاناة وتحسين فرص السيطرة على المرض وحماية جودة الحياة.



