بهدوء .. بنفحص كرتونة الموبايل.. وبنحقن جسمنا بمجهول!

رئيس التحرير  يكتب: 

بهدوء، لو قررت تشتري موبايل جديد، غالبًا هتسأل عن الموديل، وسعة الذاكرة، والضمان، وهتقلب الجهاز في إيدك، وتفحص الكرتونة، وتتأكد إنها سليمة ومقفولة، وتراجع الرقم التسلسلي، ويمكن تطلب من البائع يفتحها قدامك. ولو اكتشفت إن العلبة ناقصة أو إن الجهاز مش مطابق للمواصفات، ممكن تلغي الشراء كله، حتى لو كنت مستنيه من شهور.

وده حقك طبعًا.. فلوسك من حقك تتعب فيها وتعرف بتدفعها مقابل إيه.

لكن الغريب إن بعضنا، وهو بيتعامل مع حاجة أهم بكتير من الموبايل، وهي صحته، بيتخلى عن كل قواعد الحذر دي!

ممكن يروح مكان للتخسيس، أو يسمع عن حقنة بتخسس بسرعة من خلال إعلان على السوشيال ميديا، أو توصية من شخص مشهور، أو نصيحة من حد في الجيم، فيدفع آلاف الجنيهات، ويكشف دراعه، وياخد الحقنة، من غير ما يسأل: اسم الدواء إيه؟ مادته الفعالة إيه؟ مين أنتجه؟ هل هو مسجل لدى هيئة الدواء المصرية؟ اتخزن إزاي؟ ومين المسؤول عن إعطائه لي؟

إزاي بنفحص كرتونة جهاز، لكن ممكن ما نسألش عن محتويات حقنة هتدخل أجسامنا؟

دي مش مجرد مفارقة طريفة، لكنها مشكلة وعي حقيقية، بتكشف عن خلل في طريقة تعاملنا مع الدواء، خصوصًا لما يتعلق الأمر بحلم بيطارد ملايين الناس: إنقاص الوزن بسرعة، واستعادة الشكل اللي بنتمناه، والتخلص من السمنة من غير انتظار طويل أو مجهود شاق.

حلم التخسيس.. فرصة للعلم أم باب للاستغلال؟

خلينا نتفق من البداية: السمنة مشكلة صحية حقيقية، وعلاجها مش رفاهية ولا مجرد رغبة في شكل أجمل. والأدوية الحديثة ساعدت بالفعل بعض المرضى على إنقاص الوزن، لكن استخدامها له ضوابط طبية، وبيحتاج تقييمًا للحالة واختيارًا مناسبًا للعلاج ومتابعة للنتائج والآثار الجانبية.

المشكلة مش في الدواء المعتمد، ولا في المريض اللي بيدور على علاج يساعده. المشكلة تبدأ لما يتحول حلم التخسيس إلى سوق مفتوحة، تتراجع فيها الأسئلة الطبية، وتتقدم الوعود التسويقية، ويبقى المهم هو عدد الكيلوجرامات اللي هتخسرها، مش حقيقة المادة اللي بتدخل جسمك.

في الفترة الأخيرة، أصدرت هيئة الدواء المصرية تحذيرات وإدراجات ضمن قائمة المخالفات الإعلانية لمنتجات يجري الترويج لها لإنقاص الوزن من دون تسجيلها لدى الهيئة. ومن الأمثلة المنشورة رسميًا منتجات تحمل أسماء Tirzepatide وRetatrutide، مع إعلانات على منصات التواصل الاجتماعي. وفي سبتمبر 2026، حذرت الهيئة من إعلان يروّج لمنتج يحتوي على تيرزيباتيد باعتباره مستحضرًا للتخسيس، رغم عدم تسجيل المنتج لديها. https://edaegypt.gov.eg/ar/التوعية/المخالفات-الإعلانية/مخالفات-المستحضرات-غير-المسجلة/

وهنا لازم نفرّق بين حاجتين: وجود مادة فعالة معروفة علميًا، ووجود مستحضر دوائي محدد مسجل ومصرح بتداوله. مش كل منتج مكتوب عليه اسم مادة دوائية يبقى دواءً معتمدًا، ومش كل حقنة بتتباع تحت اسم علمي تبقى مطابقة لمواصفات مستحضر موثوق.

أما Retatrutide، فهو مثال أوضح على خطورة تسويق ما لم يحصل بعد على الموافقات اللازمة للاستخدام البشري؛ إذ لا يزال قيد التطوير، وقد حذرت هيئة الغذاء والدواء الأمريكية من منتجات غير معتمدة تُباع بأسمائه أو بأسماء مواد أخرى مرتبطة بأدوية إنقاص الوزن. 

والأهم إن عدم حصول منتج على موافقة هيئة الغذاء والدواء الأمريكية FDA لا يعني بالضرورة أنه غير موجود أو غير مُصنّع؛ لكنه يعني أنه لا يجوز التعامل معه باعتباره دواءً معتمدًا من هذه الجهة. وفي مصر، يجب التحقق من وضع المستحضر لدى هيئة الدواء المصرية، وعدم الخلط بين اسم المادة الفعالة والتسجيل الفعلي للمنتج.

مين قال إن كل حقنة مكتوب عليها اسم أجنبي تبقى أصلية؟

جزء من المشكلة إن المنتج أحيانًا بييجي في عبوة مكتوب عليها بلغة أجنبية، أو يُعرض على المريض في قلم حقن أو سرنجة من غير العبوة الأصلية، فيتصور إن الشكل الغريب أو الاسم الأجنبي دليل على إنه مستورد وأصلي، وربما أكثر فاعلية من الدواء المتاح في الصيدلية.

لكن الحقيقة عكس كده تمامًا: أنت مش مطالب تعرف تقرأ كل لغة، لكنك مطالب تعرف اسم الدواء بوضوح، والشركة المنتجة، والمادة الفعالة، ورقم التسجيل، ومصدر الشراء، وتاريخ الصلاحية، وظروف التخزين.

ولو حد قدّم لك قلمًا من غير عبوته الأصلية، أو سرنجة مجهزة مسبقًا من غير بيانات واضحة، أو رفض يقول لك اسم المستحضر ومصدره، فدي مش تفاصيل بسيطة ممكن تتجاوزها. دي أسباب كافية إنك تتوقف وتسأل وتتحقق قبل الاستخدام.

منظمة الصحة العالمية سبق أن حذرت من دفعات مغشوشة من مستحضرات سيماغلوتايد، وأشارت إلى أن بعض المنتجات المغشوشة قد لا تحتوي على المادة الفعالة المطلوبة، أو قد تحتوي على مادة أخرى غير معلن عنها، مثل الإنسولين، بما يعرّض المستخدم لمخاطر صحية غير متوقعة. 

يعني المسألة مش إن الحقنة ممكن ما تجيبش نتيجة وبس؛ المسألة إنك ممكن ما تعرفش أصلًا إيه اللي دخل جسمك.

الدواء مش سلعة تُباع في أي مكان

ومع انتشار الإعلانات والعروض على الإنترنت، أصبح المريض محتاجًا يميّز بين العلاج الذي يُصرف عبر القنوات الدوائية المرخصة، وبين منتج مجهول المصدر يُسوّق له باعتباره الحل السحري للتخسيس.

الدواء مكانه قناة تداول دوائية مرخصة، والصيدلية هي المكان المعتاد لصرف المستحضرات الدوائية المصرح بتداولها. أما وصف العلاج وتحديد الجرعة ومتابعة المريض، فهي مسؤولية الطبيب المختص وفقًا لحالة كل مريض.

ولا يكفي أن يكون الشخص الذي يعرض الحقنة طبيبًا، أو أن المكان يبدو أنيقًا، أو أن هناك صورًا لنتائج مذهلة على الحائط. الصفة المهنية وحدها لا تثبت أن المنتج أصلي أو مسجل، ولا تجعل أي مستحضر مجهول المصدر آمنًا.

كذلك، لا يصح اختزال علاج السمنة في حقنة تُعطى داخل عيادة أو مركز؛ فالعلاج الدوائي، عندما يكون مناسبًا، يحتاج إلى وصف طبي ومتابعة، وقد يتطلب التعامل مع آثار جانبية أو تعديل الخطة العلاجية. وإعطاء الحقنة بواسطة مختص لا يعوّض غياب بيانات المنتج أو عدم التأكد من سلامته.

والأمر لا يتوقف عند مصدر الدواء. بعض المستحضرات، ومنها بعض الأقلام والحقن المستخدمة لإنقاص الوزن، لها اشتراطات محددة للتخزين ودرجات الحرارة، وقد تتأثر جودتها إذا لم تُحفظ أو تُنقل وفق تعليمات الشركة المنتجة. لذلك، لا يكفي أن يقول لك البائع إن الحقنة «مستوردة»؛ المطلوب أن يكون مصدرها موثوقًا، وأن تكون ظروف تداولها وتخزينها مطابقة للتعليمات.

الجهات الرقابية تحذّر.. لكن مين يحمي المريض من قراره؟

الجهات الرقابية عليها مسؤولية أساسية في رصد المنتجات غير المسجلة، ومواجهة الإعلانات المضللة، وملاحقة الممارسات المخالفة، وتوعية الجمهور بالمستحضرات التي لا يجوز تداولها أو الترويج لها.

وإصدار التحذيرات خطوة مهمة، لكنها لا تكفي وحدها إذا كان المستهلك مستعدًا لتجاهلها مقابل وعد بخسارة عشرة كيلوجرامات في وقت قياسي.

هنا بييجي دور المواطن، مش باعتباره بديلًا عن الجهات الرقابية أو الطبيب، لكن باعتباره شريكًا في حماية نفسه.

اسأل عن اسم المنتج، وتحقق من تسجيله، واشترِ من مصدر دوائي مرخص، ولا تستخدم مستحضرًا مجهول المحتوى أو حقنة مجهزة مسبقًا من غير بيانات موثوقة. ولو عندك شك في المنتج، ما تستخدموش قبل التحقق من وضعه لدى هيئة الدواء المصرية واستشارة مختص مؤهل.

وخلي بالك: وجود المنتج في إعلان، أو تداوله بين الناس، أو حتى استخدام شخص تعرفه له من غير مشكلة ظاهرة، مش دليل على سلامته. وكذلك، لا تتعامل مع الصور قبل وبعد التخسيس باعتبارها شهادة علمية على فاعلية الدواء أو أمانه.

افحص الحقنة.. زي ما بتفحص الموبايل

مش مطلوب من المواطن إنه يتحول إلى صيدلي أو خبير في تصنيع الأدوية، لكن مطلوب منه ما يتنازلش عن أبسط حقوقه: إنه يعرف بياخد إيه، ومنين، وليه.

قبل ما تشتري موبايل، بتسأل عن الضمان، وبتراجع العلبة، وبتتأكد من المصدر، وبتخاف على فلوسك من الضياع.

طيب، ليه لما يتعلق الأمر بصحتك، ممكن تتنازل عن كل ده؟

ليه ممكن تدفع في حقنة آلاف الجنيهات، من غير ما تعرف إذا كانت مسجلة، أو مين أنتجها، أو اتخزنت إزاي، أو إذا كان استخدامها مناسبًا لحالتك أصلًا؟

صحتك مش أقل قيمة من موبايلك، وجسمك مش مكانًا لتجربة منتج مجهول.

والسؤال اللي لازم يسبق سؤال «الحقنة هتخسسني كام كيلو؟» هو: «أنا متأكد إني عارف إيه اللي جوه الحقنة؟».

لأن خسارة الوزن هدف ممكن يتحقق بالعلاج المناسب، لكن خسارة الأمان بسبب منتج مجهول ممكن تكون ثمنًا أكبر بكتير من أي وزن بنحاول نتخلص منه.

بهدوء.. مش كل وعد بالتخسيس علاج، ومش كل حقنة دواء، ومش كل منتج بيتباع يبقى آمنًا. اسأل، واتحقق، وخلي قرارك مبنيًا على المعرفة، مش على صورة قبل وبعد.

المعرفة أول طريق الصحة.

بهدوء، رجاء ناجي

رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top