تقرير: رجاء ناجي
حققت مصر محطة مهمة في نوفمبر 2022، عندما تحققت اللجنة الإقليمية التابعة لمنظمة الصحة العالمية من نجاح البلاد في القضاء على الانتقال المستوطن للحصبة والحصبة الألمانية. وجاء ذلك بعد جهود متراكمة في برامج التطعيم والترصد الوبائي ومتابعة الحالات المشتبه في إصابتها.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الإنجاز؛ ففي ديسمبر 2025، أكدت منظمة الصحة العالمية استمرار احتفاظ مصر بوضع القضاء على الانتقال المستوطن للمرضين، إلى جانب متلازمة الحصبة الألمانية الخلقية، للعام الثالث على التوالي وفق دورات التحقق المعلنة.
وهنا تبرز حقيقة علمية مهمة: وصف دولة بأنها تخلصت من الحصبة لا يعني استحالة تسجيل إصابات جديدة، وإنما يعني نجاحها في وقف سلاسل انتقال العدوى المستوطنة وفق معايير التحقق الدولية. فقد تظهر حالات وافدة من الخارج، ويمكن أن تنتشر العدوى مجددًا إذا وجدت أعدادًا كافية من الأشخاص غير المحصنين.
ولهذا فإن استمرار حملات التطعيم بعد تحقيق الإنجاز ليس تناقضًا، بل يمثل أحد الشروط الأساسية للحفاظ عليه.
اقرأ ايضًا: انطلاق حملة تطعيم 21 مليون طفل ضد الحصبة والحصبة الألمانية

21 مليون طفل في قلب الحملة الجديدة
أطلقت وزارة الصحة والسكان، يوم الاثنين 26 أكتوبر 2026، الحملة القومية المجانية للتطعيم ضد الحصبة والحصبة الألمانية، من مدينة العبور بمحافظة القليوبية، بحضور الدكتور خالد عبدالغفار، وزير الصحة والسكان، وعدد من قيادات القطاع الصحي والتعليمي.
وتستمر الحملة ثلاثة أسابيع، وتستهدف نحو 21 مليون طفل تتراوح أعمارهم بين 9 أشهر و10 سنوات، من المصريين وغير المصريين المقيمين على أرض مصر.
وتعتمد الحملة على شبكة واسعة من الفرق الطبية ونقاط التطعيم، إذ أعلنت الوزارة مشاركة أكثر من 75 ألفًا من الأطقم الطبية والمعاونة، موزعين على 14 ألفًا و200 فرقة تطعيم، مع الاستعانة بنحو 5 آلاف وحدة ومكتب صحة، والوصول إلى 25 ألف مدرسة و48 ألف حضانة، فضلًا عن الفرق المتنقلة في المناطق النائية وأماكن التجمعات.
وتكشف هذه الأرقام عن أن الحملة لا تستهدف مجرد إتاحة اللقاح في المنشآت الصحية، بل تسعى إلى الوصول الفعلي إلى الأطفال في أماكن وجودهم، وهو أمر بالغ الأهمية لتحقيق مستويات مرتفعة من التغطية التطعيمية.
لماذا تتطلب الحصبة كل هذا الاستعداد؟
تُعد الحصبة من أكثر الأمراض الفيروسية قدرة على الانتقال بين الأشخاص، خاصة في الأماكن المغلقة والمزدحمة. وتنتقل العدوى عبر الهواء، ويمكن أن تتسبب في مضاعفات خطيرة، من بينها الالتهاب الرئوي والتهاب الدماغ، وقد تؤدي إلى الوفاة في بعض الحالات، لا سيما لدى الأطفال الأكثر عرضة للمضاعفات.
أما الحصبة الألمانية، فعادة ما تكون أعراضها أخف لدى الأطفال، لكن خطورتها الكبرى تظهر عند إصابة المرأة الحامل، خاصة خلال المراحل الأولى من الحمل، إذ قد تتسبب في الإجهاض أو إصابة الجنين بمتلازمة الحصبة الألمانية الخلقية، التي يمكن أن تؤدي إلى عيوب بالقلب أو مشكلات بالسمع والبصر.
وتوضح هذه المخاطر أن أهمية التطعيم لا تتوقف عند حماية الطفل الذي يتلقى الجرعة، بل تمتد إلى حماية الفئات الأكثر هشاشة داخل المجتمع، بما في ذلك الرضع والحوامل والأشخاص الذين لا يستطيعون تلقي بعض اللقاحات لأسباب طبية.
لماذا نحتاج إلى حملة جديدة رغم وجود التطعيمات الروتينية؟
تُدرج مصر التطعيم ضد الحصبة والحصبة الألمانية ضمن برنامج التطعيمات الروتينية للأطفال، لكن الحفاظ على القضاء على انتقال العدوى يحتاج إلى مستويات عالية ومتواصلة من المناعة المجتمعية.
فمع مرور الوقت، قد تتكون فجوات مناعية نتيجة عدم حصول بعض الأطفال على جرعاتهم المقررة، أو تأخر التطعيم، أو عدم الاستجابة المناعية الكافية لدى نسبة محدودة ممن تلقوا اللقاح.
وتكتسب هذه الفجوات أهمية خاصة في حالة الحصبة، نظرًا إلى شدة قدرتها على الانتشار. ولهذا تستهدف برامج مكافحة المرض تحقيق تغطية مرتفعة للغاية بجرعتين من اللقاح، تصل عادة إلى 95% أو أكثر في كل مجتمع محلي، وليس على المستوى القومي وحده.
وتأتي الحملات القومية المكملة لسد هذه الفجوات، ورفع مستوى الحماية بين الأطفال، وتقليل احتمالات حدوث تفشيات قد تعيد انتقال العدوى بصورة مستمرة.
ومن المهم التأكيد أن الحملة الجديدة لا تُغني عن جدول التطعيمات الروتينية، ولا تعني أن الجرعات السابقة كانت بلا فائدة؛ وإنما تمثل إجراءً وقائيًا إضافيًا لتعزيز المناعة وفق خطة وزارة الصحة.
الحملة ليست دليلًا على عودة انتشار المرض
قد يثير الإعلان عن حملة قومية بهذا الحجم تساؤلات لدى بعض الأسر حول ما إذا كانت مصر تواجه موجة جديدة من الحصبة.
لكن المعلومات المعلنة عن الحملة تشير إلى أنها تستهدف تعزيز المناعة المجتمعية ومنع إعادة توطن المرض وسد الفجوات المناعية، ولا تقدم في حد ذاتها دليلًا على حدوث تفشٍّ واسع للمرض.
وهذا التمييز ضروري؛ لأن نجاح سياسات الوقاية الصحية لا يُقاس فقط بقدرة الدولة على مواجهة الأزمات بعد وقوعها، وإنما بقدرتها على تقليل احتمالات حدوثها من الأساس.
كما أن استمرار التنقل بين الدول يجعل الحفاظ على مستويات التطعيم المرتفعة أمرًا أساسيًا، حتى في البلدان التي نجحت في القضاء على الانتقال المستوطن للمرض.

ما المطلوب من أولياء الأمور؟
تتمثل الخطوة الأهم في التزام الأسر بتطعيم الأطفال ضمن الفئة العمرية المستهدفة، وفق التعليمات المعلنة من وزارة الصحة، مع الاحتفاظ بسجلات التطعيمات الروتينية واستكمال أي جرعات مقررة في مواعيدها.
وينبغي أيضًا عدم الاعتماد على المعلومات غير الموثوقة المتداولة بشأن اللقاحات، والرجوع إلى الفرق الطبية المختصة عند وجود استفسارات حول أهلية الطفل للتطعيم أو حالته الصحية.
وتتيح وزارة الصحة الاستفسار عن الحملة من خلال الخط الساخن 105، بما يساعد الأسر على معرفة التفاصيل والإرشادات الرسمية.
التحدي الحقيقي: الحفاظ على الإنجاز
تمثل حملة أكتوبر 2026 اختبارًا مهمًا لقدرة المنظومة الوقائية على الوصول إلى ملايين الأطفال خلال فترة محدودة، لكن نجاحها الفعلي سيتوقف على معدلات التغطية التي تتحقق على الأرض، ومدى الوصول إلى الأطفال الذين فاتتهم جرعات سابقة، واستمرار كفاءة منظومة الترصد الوبائي بعد انتهاء الحملة.
فالأرقام الخاصة بالفرق الطبية والمدارس والحضانات تعكس حجم الاستعدادات، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على النتائج. ويظل المؤشر الأهم هو نسبة الأطفال الذين تلقوا التطعيم بالفعل، ومدى سد الفجوات المناعية في المناطق والفئات الأكثر احتياجًا.
لقد قطعت مصر شوطًا مهمًا في مواجهة الحصبة والحصبة الألمانية، وحصلت على اعتراف دولي بالقضاء على انتقالهما المستوطن. واليوم، لا تتمثل المهمة في تكرار الإنجاز من البداية، وإنما في حمايته من التراجع.
فالنجاح الحقيقي ليس أن تعلن دولة خلوها من انتقال مرض معدٍ مرة واحدة، بل أن تتمكن من الحفاظ على هذا الوضع عامًا بعد عام، وأن تضمن وصول الحماية إلى كل طفل، أينما كان.



