يسبب 40% من حالات العقم
كيف يبدأ؟ ولماذا يتأخر تشخيصه؟ وما العلاجات المتاحة اليوم؟
إعداد: بوابة مصر الصحية
تبدأ القصة غالبًا بآلام مع الدورة الشهرية تبدو “طبيعية”، ثم تتحوّل تدريجيًا إلى وجع يزداد حدّة كل دورة، ويبدأ في التسلل إلى الظهر والحوض والأمعاء، قبل أن يصبح جزءًا لا يتجزأ من يوم المرأة. وبينما تُقنع كثير من الفتيات أنفسهن بأن هذا الألم “عادي”، تكون المشكلة الحقيقية أعمق بكثير مما تبدو عليه؛ إنها بطانة الرحم المهاجرة، أحد أكثر أمراض النساء انتشارًا وتعقيدًا.
تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن المرض يصيب نحو واحدة من كل عشر نساء في سن الإنجاب، وهو ما يعني ملايين الحالات حول العالم. ورغم هذه النسبة الكبيرة، فإن بطانة الرحم المهاجرة تمثل واحدًا من أكثر الأمراض التي تتأخر في التشخيص، إذ تحتاج المرأة في المتوسط أكثر من 7 سنوات للحصول على تشخيص دقيق، وفق أحدث تقارير The Lancet.

ما الذي يحدث في جسم المرأة؟
بطريقة غير مفهومة تمامًا حتى الآن، تبدأ خلايا شبيهة ببطانة الرحم في الظهور خارج الرحم، على المبايض أو قنوات فالوب أو الأمعاء أو المثانة، وتستجيب هذه الخلايا للهرمونات الشهرية كما لو أنها داخل الرحم تمامًا.
تنمو، ثم تلتهب، ثم تنزف، لكنها لا تجد طريقًا للخروج من الجسم، مما يؤدي إلى التهابات مزمنة، ولحاقات، وأحيانًا تكيسات تُعرف بـ «أكياس الشوكولاتة» على المبيض.
وفي بعض الحالات يظهر النسيج داخل جدار عضلة الرحم نفسها، وهي حالة تُسمى العضال الغدي، وتسبب تضخمًا وألمًا شديدًا ونزيفا غزيرا.

الأعراض… حين يتحول الألم إلى نمط حياة
الأعراض تختلف من امرأة لأخرى، لكن الأكثر شيوعًا هو الألم الشديد أثناء الدورة الشهرية، وهو ألم لا يشبه “التقلصات العادية”، بل يزداد مع الوقت ويصاحبه شعور بالثقل في الحوض وآلام تمتد إلى الظهر والأمعاء.
كما يظهر نزيف غير منتظم أو غزارة ملحوظة، وألم عند الجماع، وألم عند التبول أو التبرز.
وفي كثير من الحالات تُكتشف بطانة الرحم المهاجرة أثناء فحوصات تأخر الحمل، إذ تشير جمعية الخصوبة الأمريكية إلى أن أربع حالات من كل عشر إصابات بالعقم غير المفسّر تعود إلى بطانة الرحم المهاجرة.

من الأكثر عرضة للإصابة؟
تصيب بطانة الرحم المهاجرة النساء بين 25 و40 عامًا في الغالب، وتزداد احتمالاتها لدى من لديهن تاريخ عائلي، أو دورات شهرية قصيرة وغزيرة، أو التهابات بالحوض، أو وزن زائد أو منخفض بشكل كبير.
ومع ذلك، قد تظهر الأعراض مبكرًا في سن المراهقة دون أن يلتفت أحد إلى طبيعتها.
لماذا يحدث المرض؟ أحدث ما وصل إليه العلم
الأطباء لا يمتلكون تفسيرًا واحدًا، لكن أكثر النظريات قبولًا هي الحيض الرجعي، حيث يتسرب جزء من دم الحيض إلى تجويف الحوض عبر قنوات فالوب.
وهناك أيضًا فرضيات تتعلق بخلل المناعة، والعوامل الوراثية، والتغيرات الهرمونية التي تدفع بعض الخلايا للتحول إلى خلايا تشبه بطانة الرحم خارج مكانها الطبيعي.
التشخيص… كيف نصل للحقيقة؟
غالبًا ما يبدأ التشخيص بالفحص الإكلينيكي والموجات الصوتية، لكن بعض الحالات تحتاج إلى الرنين المغناطيسي للحصول على صورة أدق لانتشار المرض.
أما المنظار البطني فهو المعيار الذهبي للتشخيص، لأنه يسمح للطبيب برؤية البؤر المهاجرة مباشرة ومعالجتها في بعض الأحيان خلال نفس الإجراء.
كلما تم التشخيص مبكرًا، كانت السيطرة على الأعراض أسهل، وفرص الحفاظ على الخصوبة أعلى.

العلاج… رحلة طويلة لكنها فعّالة
لا يوجد علاج واحد يناسب كل الحالات، لكن الهدف المشترك هو تخفيف الألم وتحسين جودة الحياة ودعم القدرة على الإنجاب.
العلاج قد يشمل تنظيم الهرمونات عبر حبوب منع الحمل أو اللولب الهرموني، واستخدام أدوية مضادة للالتهاب، أو أدوية تثبيط الهرمونات مثل GnRH، وصولًا إلى الجراحة بالمنظار لإزالة الأنسجة المهاجرة وعلاج الالتصاقات.
وفي حالات العضال الغدي المتقدمة، قد يكون استئصال الرحم خيارًا مطروحًا بعد اكتمال الأسرة.
أما في ملف الخصوبة، فقد أثبتت الدراسات أن إزالة البؤر بالمنظار قبل الحقن المجهري قد تحسن فرص الحمل في نسبة كبيرة من النساء.
الوضع في مصر
تشير تقديرات سريرية إلى أن انتشار المرض في مصر يماثل المعدلات العالمية تقريبًا، أي بين 10 و12% من النساء.
ولكن القضية تحتاج الى نشر الوعي الصحي بين النساء وكسر الافكار المغلوطة حول اعتياد الالم للفتيات وعدم الافصاح عن الالم والحديث فيه او الذهاب عند طبيب النساء، بالاضافة الى ضرورة نشر المراكز الطبيه المؤهلة لاستقبال الفتيات لنشر المفاهيم الصحية الخاصة باجسادهن.
و أن بطانة الرحم المهاجرة ليست “دورة مؤلمة”، ولا “حساسية زائدة”، ولا حالة يمكن تجاهلها.
إنه مرض مزمن يحتاج متابعة، وعلاجًا طويل المدى، وفهمًا عميقًا لطبيعته.
لكن الخبر الجيد أن تطور التشخيص والعلاج اليوم يمنح النساء قدرة كبيرة على التحكم في الألم، واستعادة جودة الحياة، وتحقيق الحمل في كثير من الحالات.
وكلما زاد الوعي، أصبح الطريق إلى العلاج أقصر وأوضح.



