حين يهزم العطاء حدود الألم

بقلم د. حسام سلامة عبدربه المدير، الطبي للمجمع الطبي بالإسماعيلية

هناك قصص لا تُقرأ… بل تُعاش.

قصص تهزّ الروح قبل أن تلامس العين، وتعيد ترتيب المفاهيم، وتُثبت أن الخير ما زال حيًا مهما تغيّر العالم.

من بين هذه القصص، تلك التي شهدها المجمع الطبي التابع لهيئة الرعاية الصحية بالإسماعيلية، حين وقفت شابة في لحظة تُحسم فيها الحياة وقالت بثباتٍ يمتلئ حبًا:

“أنا هتبرّع”…

كلمتان لا تتجاوزان ثلاث ثوانٍ، لكنهما كانتا كفيلتين بأن تعيدا النور لأسرة كانت واقفة على حافة اليأس.

نور وسط العتمة

عندما تدهورت حالة الأخت المريضة، خيّم الخوف على الجميع، وتثاقلت الدقائق، وازدادت الأسئلة بلا إجابات.

لكن تلك الفتاة التي لم تتجاوز ربيع عمرها تقدّمت خطوة واحدة، فغيّرت مصير أسرة بأكملها.

لم تفكر في الألم…

ولا في الجراحة…

ولا في ندبةٍ سترافق جسدها العمر كله.

كانت ترى شيئًا واحدًا فقط: وجه أختها الذي يحتاج إليها.

ذلك النوع من الحب الذي لا يُدرَّس ولا يُكتسَب… بل يولد مع الإنسان ويكبر معه حتى يصبح أقوى من الألم ذاته.

حين يصبح الطب إنسانية

داخل المجمع الطبي بدأت الرحلة؛ رحلة امتزجت فيها الخبرة الطبية الراسخة بإنسانيةٍ حقيقية.

الفريق المتخصص في زراعة الكبد حمل المسؤولية كمن يحمل حياة بين يديه، يعمل بصمت وإصرار، ويضع أمامه هدفًا واحدًا:

إنقاذ روحين معًا… المتبرعة والمتلقية.

كانت الساعات داخل غرفة العمليات طويلة، لكنها كانت مفعمة بالثقة… ثقة بأن الله يبارك عملًا مُخلصًا، وبأن يدًا رحيمة فوق كل يد تُمسك بالمشرط.

ميلاد جديد… وانتصار إنساني

حين خرج الأطباء لإعلان نجاح العملية، لم يكن ذلك «خبرًا طبيًا» فحسب؛

كان ميلادًا جديدًا، وانتصارًا للحب على الخوف، وللأمل على الألم، وللإنسانية على كل ما حاول أن يُسقط هذه الأسرة.

هذه الفتاة لم تهب شقيقتها جزءًا من كبدها…

بل منحتها عمرًا جديدًا، وابتسامةً كانت على وشك أن تختفي، ونفسًا حرًا لم تكن تعلم أنها ستستنشقه من جديد.

المجمع الطبي… حين يصبح الطب رسالة

ما جرى داخل المجمع الطبي بالإسماعيلية لم يكن مجرد إجراء جراحي متقدم، بل كان درسًا في معنى الطب الحقيقي…

طب لا يقف عند حدود العلم، بل يمتد ليحتضن الإنسان.

لقد أثبتت منظومة هيئة الرعاية الصحية أن المستشفى يمكن أن يكون بيت أمان، وأن غرفة العمليات قد تكون مساحة للمعجزات حين يمتزج العلم بالرحمة.

ختامًا… درس في الحب لا يُنسى

هذه القصة ستبقى شاهدًا على أن:

         •      الحب أقوى من المرض.

         •      الشجاعة حين تخرج من القلب تهزم الخوف كله.

         •      والأخت التي أعطت جزءًا من كبدها… لم تكن تقدم عضوًا، بل حياة كاملة.

حين يبلغ العطاء هذا المستوى، تصبح الجراح أجنحة، ويصبح الألم بداية جديدة…

ويقف الخوف عاجزًا أمام قلب لا يعرف إلا أن يعطي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top