الدواء بين العلاج والبيزنس.. هل تستخدم شركات الأدوية نفوذها للضغط على الحكومات؟

صناعة تتجاوز 1.6 تريليون دولار سنويًا.. وأرباح بالمليارات تثير سؤالًا صعبًا: هل أصبح العلاج ورقة ضغط؟

في بعض الأسواق حول العالم، اختفى فجأة عدد من الأدوية القديمة من الصيدليات.

السبب لم يكن اكتشاف علاج أفضل، ولا قرارًا علميًا بسحب الدواء، بل قرارًا اقتصاديًا بحتًا: الدواء لم يعد يحقق أرباحًا كافية للشركات المنتجة.

اقرأ ايضًا: هيئة الدواء تطمئن المصريين: المخزون الاستراتيجي “آمن” والاحتياطي يكفي لشهور

هذه الحالات فتحت بابًا واسعًا من التساؤلات:

هل يمكن أن يتحول الدواء — وهو سلعة ترتبط مباشرة بحياة البشر — إلى أداة ضغط اقتصادي على الحكومات؟ خاصا في الدول التي تسعر الادوية ؟

ومع تضخم صناعة الدواء عالميًا إلى واحدة من أكبر الصناعات في العالم، أصبح السؤال أكثر إلحاحًا:

أين ينتهي الطب.. وأين يبدأ البيزنس؟

صناعة تتجاوز التريليون دولار

تشير تقديرات الأسواق العالمية إلى أن قيمة صناعة الدواء وصلت إلى نحو 1.6–1.7 تريليون دولار سنويًا في 2024–2025، مع توقعات بتجاوز 3 تريليونات دولار خلال العقد المقبل. 

هذه الأرقام تضع صناعة الدواء بين أضخم الصناعات الاقتصادية في العالم، إلى جانب التكنولوجيا والطاقة.

وتسيطر مجموعة محدودة من الشركات متعددة الجنسيات على حصة ضخمة من السوق، من أبرزها:

         •      Johnson & Johnson

         •      Pfizer

         •      Roche

         •      Novartis

         •      AstraZeneca

         •      Merck

         •      AbbVie

وتحقق هذه الشركات إيرادات سنوية ضخمة، بعضها يتجاوز 70 إلى 90 مليار دولار سنويًا.

وبلغت القيمة السوقية لبعض الشركات مستويات غير مسبوقة؛ ففي 2025 أصبحت شركة Eli Lilly أول شركة دواء تقترب قيمتها السوقية من تريليون دولار. 

وهو ما يعكس حجم القوة الاقتصادية الهائلة التي أصبحت تمتلكها شركات الأدوية.

عندما يتوقف الدواء لأنه “غير مربح”

خلال السنوات الأخيرة ظهرت حالات متكررة أعلنت فيها شركات أدوية وقف تصنيع بعض الأدوية القديمة أو منخفضة السعر.

السبب الرسمي عادة يكون:

         •      ارتفاع تكلفة الإنتاج

         •      انخفاض هامش الربح

         •      التسعير الحكومي المنخفض

لكن هذه القرارات تخلق في كثير من الأحيان نقصًا في أدوية أساسية مثل:

         •      بعض المضادات الحيوية

         •      أدوية السرطان

         •      أدوية الأمراض المزمنة

وفي عدد من الحالات، أدى نقص الدواء إلى ضغط على الحكومات لإعادة النظر في سياسات التسعير.

وبينما تؤكد الشركات أن قراراتها اقتصادية بحتة، يرى بعض خبراء السياسات الصحية أن توقف الإنتاج قد يتحول عمليًا إلى أداة ضغط غير مباشرة.

“بيج فارما”.. القوة التي تتجاوز المختبرات

يطلق الخبراء على الشركات الدوائية الكبرى اسم Big Pharma، في إشارة إلى قوتها الاقتصادية والسياسية الضخمة.

هذه القوة لا تأتي فقط من حجم الأرباح، بل من عدة عوامل:

         •      الاستثمار الهائل في البحث العلمي

         •      امتلاك براءات اختراع حصرية للأدوية

         •      القدرة على التحكم في سلاسل الإمداد العالمية

         •      النفوذ السياسي والاقتصادي

وتشير تقديرات الصناعة إلى أن شركات الدواء تنفق أكثر من 250 مليار دولار سنويًا على البحث والتطوير عالميًا. 

وهو ما يمنحها دورًا حاسمًا في تحديد اتجاهات الابتكار الطبي في العالم.

لوبيات شركات الدواء.. النفوذ داخل مراكز القرار

في العواصم السياسية الكبرى مثل واشنطن وبروكسل، تمتلك شركات الأدوية واحدة من أقوى شبكات الضغط السياسي.

تنفق شركات الدواء وشركات التكنولوجيا الحيوية مئات الملايين من الدولارات سنويًا على جماعات الضغط السياسي، بهدف التأثير في التشريعات المرتبطة بـ:

         •      تسعير الأدوية

         •      براءات الاختراع

         •      سياسات التأمين الصحي

         •      اعتماد الأدوية الجديدة

وفي الولايات المتحدة، تُعد صناعة الدواء من أكبر القطاعات إنفاقًا على جماعات الضغط داخل الكونغرس.

ويرى منتقدون أن هذا النفوذ يمنح الشركات قدرة كبيرة على التأثير في شكل السياسات الصحية في العديد من الدول.

الدواء بين العلاج والبيزنس.. هل تستخدم شركات الأدوية نفوذها للضغط على الحكومات؟

كيف تؤثر شركات الدواء على التشريعات الصحية؟

لا يقتصر نفوذ شركات الدواء على الضغط المباشر فقط.

بل يمتد إلى:

         •      تمويل بعض الأبحاث الطبية

         •      دعم الجمعيات العلمية

         •      المشاركة في لجان استشارية للسياسات الصحية

         •      دعم حملات التوعية بالأمراض

هذه الأنشطة لا تُعد بالضرورة غير قانونية، لكنها تفتح نقاشًا واسعًا حول تداخل المصالح بين الصناعة والجهات المنظمة للصحة.

ويرى بعض الخبراء أن هذه العلاقة قد تؤثر أحيانًا على:

         •      سرعة اعتماد الأدوية

         •      سياسات التسعير

         •      شكل التغطية التأمينية لبعض العلاجات.

لماذا الدواء مكلف؟ تكلفة تطوير العقار

تدافع شركات الأدوية عن أسعارها المرتفعة بالقول إن تطوير الدواء عملية طويلة ومكلفة للغاية.

ووفق تقديرات دراسات اقتصادية في صناعة الدواء، قد تصل تكلفة تطوير دواء جديد إلى نحو 2.6 مليار دولار، وتشمل:

         •      الأبحاث المعملية

         •      التجارب السريرية

         •      الاختبارات التنظيمية

         •      عمليات التصنيع والتسويق

كما أن رحلة تطوير الدواء قد تستغرق 10 إلى 15 عامًا، بينما يفشل عدد كبير من المركبات الدوائية قبل الوصول إلى السوق.

وتقول الشركات إن هذه المخاطر تبرر الحاجة إلى تحقيق أرباح مرتفعة لتعويض الاستثمارات الضخمة.

نقص الأدوية.. أزمة عالمية متكررة

خلال العقد الأخير، شهدت عدة دول حول العالم أزمات متكررة في نقص الأدوية.

ويرجع الخبراء هذه الأزمة إلى عدة عوامل، منها:

         •      تركيز تصنيع بعض المواد الخام في عدد محدود من الدول

         •      انخفاض ربحية بعض الأدوية القديمة

         •      اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية

         •      الأزمات الصحية مثل جائحة كورونا

وتشير تقديرات إلى أن نسبة كبيرة من المواد الخام الدوائية في العالم يتم إنتاجها في الصين والهند، ما يجعل الإمدادات العالمية عرضة للتأثر بأي اضطرابات في هذه المناطق. 

وفي بعض الحالات أدى نقص الأدوية إلى تدخل الحكومات لإجبار الشركات على زيادة الإنتاج أو تعديل الأسعار.

اللقاحات وأرباح غير مسبوقة

خلال جائحة كورونا ظهرت بوضوح القوة الاقتصادية لصناعة الدواء.

فقد حققت شركات اللقاحات أرباحًا ضخمة نتيجة الطلب العالمي على اللقاحات.

على سبيل المثال، وصلت مبيعات أحد لقاحات كورونا إلى عشرات المليارات من الدولارات خلال سنوات قليلة. 

وبينما اعتبر كثيرون ذلك إنجازًا علميًا غير مسبوق، أثار آخرون نقاشًا عالميًا حول:

         •      تسعير اللقاحات

         •      احتكار براءات الاختراع

         •      العدالة في توزيع الدواء بين الدول الغنية والفقيرة.

هل يمكن استخدام الدواء كورقة ضغط؟

السؤال الذي يطرحه خبراء الاقتصاد الصحي اليوم هو:

هل يمكن أن تستخدم بعض الشركات تقليل الإنتاج أو وقف التصنيع كوسيلة ضغط غير مباشرة على الحكومات؟

السيناريو الذي يطرحه بعض الباحثين يبدو بسيطًا:

  •  توقف إنتاج دواء منخفض السعر
  •   يظهر نقص في السوق
  •  ترتفع المطالب بزيادة السعر
  •  يعود الدواء بسعر أعلى

لا توجد أدلة قاطعة على أن هذه الاستراتيجية تُستخدم بشكل ممنهج، لكن تكرار هذه الحالات عالميًا جعلها موضوعًا دائمًا للنقاش.

الحكومات بين حماية المرضى وحماية الصناعة

تقف الحكومات أمام معادلة معقدة:

فهي مطالبة في الوقت نفسه بـ:

         •      ضمان توافر الدواء للمرضى

         •      حماية المواطنين من الأسعار المرتفعة

         •      تشجيع الاستثمار في صناعة الدواء

وهو توازن صعب بين الاقتصاد والصحة.

السؤال الذي لا يختفي: بوابة مصر الصحية

في نهاية المطاف يبقى السؤال الأكبر:

هل يمكن التعامل مع الدواء كسلعة تجارية عادية؟

أم أن الأدوية يجب أن تخضع لمنطق مختلف لأنها مرتبطة مباشرة بحياة الإنسان؟

بين الابتكار العلمي والأرباح الضخمة، وبين حاجة المرضى للعلاج، ستظل صناعة الدواء واحدة من أكثر الصناعات إثارة للجدل في العالم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top